نعم.. غششت ذات امتحان

blogs - class
الصحة و التعليم، التعليم والصحة، هما وجهان لعملة واحدة، جزئين لا يتجزآن، وحلقتين أساسيتين من مجموع حلقات سلسلة الدول كافة، لا غنى عنهما من أجل نهضة المجتمعات والشعوب.

التعليم باعتباره من بين أهم هذه الحلقات، هو مجال يتطلّب القيام بمجهودات جبّارة من طرف بعض الدول عامة، والدول العربية بصفة خاصة، من أجل النهوض بمستوىات شعوبها.

إذا أجرينا بحثا سريعا من خلال أحد محركات البحث باعتبارها أصبحت في متناول الجميع الآن، سنلاحظ المراتب المتراجعة جدا التي تحتلها الدول العربية فيما يتعلق بمستوى التعليم وعدد الجامعات، مقابل مراتب متقدمة في نسبة الأمية وعدد المتمدرسين.

ورغم أن هنالك تراجعا في عدد الأميين في البلاد العربية – من 58 مليونا إلى 54 مليونا بين عامي 2008 و 2015 – إلا أنه يعتبر بطيئا جدا مقارنة مع المعايير الدولية في هذا المجال، و علما أن عدد سكان الوطن العربي يبلغ حوالي 327 مليون نسمة حسب التقرير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان.

سنجد أن الغش في بعض الدول العربية هو نتيجة منطقية لمجموعة من العوامل، ليس للطالب دخل فيها بأي سبيل كان، بل و يمكن اعتباره واجبا في مثل هذه الحالات.

كما يُتوقع أن يبلغ عدد أميي العالم العربي 49 مليونا بحلول عام 2024، وهو رقم يظل مرتفعا بل ويمكن اعتباره ناقوس خطر.

هذا فيما يخص عدد الأميين الذين لم يحظوا بفرصة التمدرس لظرف من الظروف، و التي تكون راجعة في مجملها إلى الفقر، بُعد المدارس وصعوبة الولوج إليها (وهنا نتحدث عن مشاكل أعمق من مشكل التمدرس)، أو عدم وعي بعض الأسر بضرورة تمدرس أطفالها.

أما فيما يخص جودة التعليم التي يتلقاها ذلك الشّق من المواطنين الذين حظوا بفرصة التّمدرس، بداية بالمرحلة الإبتدائية، ووصولا إلى مرحلة الدراسات العليا، فالواقع يتكبّد عناء البوح بما قد نعجز عن قوله نحن نظرا لصعوبته.

عدد التلاميذ في بعض الفصول الدراسية، الفارق بين العلامات المحصّل عليها، ومستوى وكفاءة الطالب أو التلميذ، نسب الغش في الإمتحانات – سواء امتحانات التخرّج أو امتحانات الولوج إلى بعض المدارس والجامعات – كلّها عوامل تبرز مدى ضعف جودة التعليم.

و هنا أركّز على مسألة الغش في الإمتحانات، و التي أُرجعها إلى سبب رئيسي لا ثاني له: ألا وهو المنظومة التعليمية بحد ذاتها.

فكيف لنظام تعليمي يجعل من علامات الطالب المعيار الوحيد الذي يحدّد مصيره – بغض النظر عن قدراته – أن يخرِّج أجيال ذات كفاءات؟ كيف لطالب أن يمتنع عن الغش في الإمتحانات طالما رسّخنا في رأسه فكرة أن علاماته هي الحكم الوحيد الذي سيحدّد طريقا سيسلكه عمرا كاملا؟ كيف لهذا الطالب ألّا يقول رافعا رأسه "نعم.. غششت ذات امتحان"، وهو يعي ما ينتظره إذا حكم بعضا من تلك المبادئ التي تلقّاها في سن مبكرة، والتي ما فتئت تذهب في مهبّ الرياح كلما خطى خطوة أخرى في بلد يكبّل مواطن قوّته، ويحتّم عليه المرور من ذلك القالب الذي تخرّج منه سابقوه حتى يصير مجرّد شبيه آخر؟

إذا ما حلّلنا كل المعطيات السابقة بعيدا عن المرجعيات الدينية والثقافية وغيرها من المرجعيات التي قد تحكم أفعالنا، سنجد أن الغش في بعض الدول العربية هو نتيجة منطقية لمجموعة من العوامل، ليس للطالب دخل فيها بأي سبيل كان، بل و يمكن اعتباره واجبا في مثل هذه الحالات.