نرحل نحن.. أم يرحل الدينار؟

blogs - ليبيا
في طريقي إلى العمل تواجهني كل صباح طوابير المئات من الليبيين المصطفين أمام المصارف التجارية، بعضهم من كبار السن وبعضهم الآخر من النساء يفترشون جميعهم الأرصفة في قيظ الصيف كما في برد الشتاء، ويضطر أغلبهم إلى قضاء ليلته أمام المصرف أملا في الحصول على بضع دنانير يسد بها حاجته وحاجة عياله. رؤية هذا المشهد كفيلة بإفساد يومي، إذ يسترجعه ذهني مرارا وتكرارا فأرثى الحال التي وصلنا ووصلت إليها البلاد.

المتابع للوضع الليبي يدرك جيدا أن نقص السيولة المالية ليس الأزمة الوحيدة التي يعانيها الاقتصاد الليبي، فالارتفاع الجنوني للأسعار والذي وصل في بعض السلع الأساسية إلى خمسة أضعاف، أثقل كاهل المواطن بشكل أكبر وجعل الدنانير المعدودة التي ظفر بها بعد عناء ومشقة تختفي من جيبه في لمح البصر.

لن أذكر أسباب هذا التضخم أو أسباب الانهيار المرعب لقيمة الدينار الليبي، والتي ترجع في الأصل إلى عوامل سياسية في ظل حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد وانقسام المصرف المركزي والحرب المستعرة في الشرق الليبي منذ ثلاث سنوات. فلا يهم المواطن النظريات الاقتصادية وآراء الخبراء والمحللين، يهمه فقط أن يقبض مرتبه ويعنيه سعر زجاجة الزيت ورغيف الخبز وعلبة الدواء.

بين من أورثه الإحباط وهنا عضليا جعله يمضي جل وقته تحت أعمدة الإنارة أو في مقاهي النرجيلة يندب حظه العاثر الذي جعله يولد ليبيا.

هذا الوضع انعكس بطبيعة الحال على الشباب الليبي الذي يشكل النسبة الأكبر من المجتمع، وتجلى هذا التأثير في عدة نواح. فالطالب الجامعي بات يرى الاستمرار في الدراسة والمواظبة عليها ترفا، وهناك من الطلبة من أوقف قيده الدراسي بعد عجز الآباء عن سداد تكاليف الدراسة المتمثلة في الكتب والمذكرات والقرطاسية وثمن المواصلات، أما بعضهم الآخر وخاصة من الذكور، فقد اتجهوا إلى العمل إلى جانب الدراسة، خاصة في الفترة المسائية ليلبوا تكاليف دراستهم مما أثر بالسلب على تحصيلهم العلمي.

في الكليات… ظهرت ولأول مرة مبادرات طلابية خيرية تدعو إلى جمع المذكرات والكتب والمناهج المستعملة والقرطاسية التي تبرع بها طلبة سابقون لتقديمها إلى من يحتاجها ولا يملك ثمنها. 

أما من أكمل دراسته وتخرج فليس بأوفر حظا، ففرص العمل تكاد تكون معدومة في ظل الكساد الذي يعانيه الاقتصاد الليبي القائم بالأساس على تصدير النفط والغاز، ومع خروج جل الشركات الأجنبية من البلاد نتيجة الحرب الدائرة وانفلات الأوضاع الأمنية ارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير جدا، وإن لم تتوفر أرقام وإحصائيات رسمية لها بعد، كما تعاني الدوائر الحكومية بدورها تخمة في عدد الموظفين، الأمر الذي دفعها إلى رفض توظيف المزيد خاصة من العناصر الشابة.

نأتي إلى الشباب العامل والذي يركض ليل نهار لجمع بعض المال الذي يمكنه من بناء عش زوجية متواضع، هذه الفئة تجد أن ما جمعته من مال لن يكفيها لشراء حجرة واحدة في شقة متداعية البناء بالنظر لارتفاع أسعار العقارات منذ أيام جماهيرية العقيد، أما من يفكر في اللجوء إلى البناء فتصفعه أسعار الإسمنت وحديد التسليح والمواد الصحية واليد العاملة، زد على ذلك غلاء المهور والمصوغات الذهبية والأثاث والأجهزة الإلكترونية وكل ما يلزم أي عش زوجية محترم في ليبيا.

كل هذه العقبات جعلت الشباب محبطا، فانقسم بين مفكرٍ في الهجرة وبين عازم على خوض غمارها وبين مخاطر بحياته راكب لقوارب الهجرة غير الشرعية، وبين من أورثه الإحباط وهنا عضليا جعله يمضي جل وقته تحت أعمدة الإنارة أو في مقاهي النرجيلة يندب حظه العاثر الذي جعله يولد ليبيا.