دكتور جامعي برتبة نائب عميد، يرقد في أحد مستشفيات العاصمة صنعاء، بعد أن خر مغشياً عليه في قاعة المحاضرة، نتيجة ارتفاع ضغط الدم لديه، تحت وطأة الظروف المأساوية التي تمر بها البلاد، وهو الآن ينتظر مساعدة فاعلي الخير، ليسدد نفقات العلاج.
حالة مأساوية تعنون الوضع الحالي، لآلاف الأكاديميين، والتربويين اليمنيين، الذين جرفت الحرب سعادتهم، وصادرت رواتبهم دون جريرة، تستوجب هذا الثمن الباهظ من صحتهم، وأرزاقهم. من الذي سيتكفل بتكاليف علاج ذاك الدكتور، الذي وهب جل وقته لتربية النشء، وإعداد أجيال الغد، ومن مِن أمراء الحرب، سينتصر لإنسانية الدكتور ويفك ضائقته المالية المؤسفة، خصوصاً وهو على سرير المرض؟
الأكاديميون، والتربويون هم أكثر الفئات تضرراً من انقطاع الرواتب في اليمن، كونهم لا يمتلكون مصادر رزق أخرى، لإعالة أسرهم، وتأمين سبل عيشهم، فقد بلغ بهم البؤس مبلغاً عظيماً، بعد انقطاع رواتبهم لمدة تزيد عن ستة أشهر، فبعضهم ترك مهنته الرسمية، وذهب للعمل في المطاعم بالأجر اليومي، وبعضهم عاد للقرية لاستصلاح أرضه، وفلاحتها، والبعض الآخر ذهب لمزاولة أعمال بدائية، ليقوا أسرهم شبح الجوع، بعد أن يأسوا من الحصول على رواتبهم، في ظل الصراع المحتدم بين مكوني الشرعية، والانقلاب في البلاد.
| هل من وازع أخلاقي، أو قيمي يردع المتلاعبين بحقوق اليمنيين، أم أن الرواتب باتت ركناً أساسياً في ظاهرة المد، والجزر السياسي، الذي تعيشه البلاد، وأصبح من الصعب فصله عن جذور الصراع القائم على الأرض؟ |
في ظل هذا الوضع الكارثي، ثمة متغيرات سلبية طرأت على العملية التعليمية من جهة، والطلاب من جهة أخرى، فالعملية التعليمية في اليمن اليوم، باتت هشة، متدنية الأداء، والجودة، وأصبح الغش الوسيلة الأشهر للنجاح، بل وتتم ممارسته علناً على مرأى، ومسمع من الجميع، على نطاق أوسع، من المراحل السابقة، ذلك أن الطلبة في ظل وضع كهذا يتحصلون على تعليم أقل في القيمة، والوقت، الجانب الآخر من تلك المتغيرات السلبية، يخص الطلاب، إذ أنهم في ظل تردي الوضع العلمي لهم، يعدون عرضة لمخاطر عدة، كالتسرب من المدارس، والجامعات والالتحاق بالتنظيمات الجهادية المتطرفة، أو الانضمام للعصابات المسلحة.
إن استمرار سلطتي الشرعية، والانقلاب في المقامرة برواتب موظفي الدولة عموماً، والأكاديميين، والتربويين خصوصاً، يعني انهيار صروح العلم، وانصهار الشعب في مستنقعات الأمية، والجهل، يعني تزايد المرض، والجوع في أوساط الشعب، يعني مزيداً من الجهاديين، والمتطرفين، مزيداً من حالة اللااستقرار، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، علمياً…إلخ.
الراتب يعد حقاً مكفولاً لجميع موظفي الدولة، في شتى بقاع العالم، والتلاعب به أو مصادرته تعد جريمة ترقى لمستوى جرائم الحرب في العالم. إنه قوتاً لآلاف الأسر، ومصدر عيش للجميع، بما في ذلك النخبة، التي تتولى هندسة مستقبل ٢٦مليون يمني، فالبدار البدار لإعطاء كل ذي حق حقه، من باب احترام الوطن، والقيام بالواجب الأخلاقي تجاه كوادره، وبانوه، الذين بذلوا الكثير من الجهود والتضحيات، في سبيل رقيه وازدهاره طوال عقود مضت.
الراتب غير قابل للمساومة إطلاقاً، بل ويجب تحييده عن الصراعات المحتدمة بين انقلابيي صنعاء، وشرعية المهجر، ولا يجوز استعماله كورقة ضغط سياسية، على طرف ضد آخر، كونه عنصر مرتبط بالحق الإنساني لآلاف الأسر، في عموم البلاد.
خلاصة القول هنا، أنه لم يعد لدى اليمنيين متسعاً للانتظار، فقد غدت الغالبية على حافة المجاعة، وأرصفة التسول تستقبل وجوهاً جديدة، مطلع كل يوم جديد، في ظل هذا الوضع الكارثي، الذي صنعته أيدي القطيع السياسي في البلاد. فهل من وازع أخلاقي، أو قيمي يردع المتلاعبين بحقوق اليمنيين، أم أن الرواتب باتت ركناً أساسياً في ظاهرة المد، والجزر السياسي، الذي تعيشه البلاد، وأصبح من الصعب فصله عن جذور الصراع القائم على الأرض؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

