شعار قسم مدونات

غوانتانامو الشرق الأوسط

Men play the role of jailed Palestinians and Israeli soldiers during a rally in support of Palestinian prisoners on hunger strike in Israeli jails, in Gaza City April 17, 2017. REUTERS/Mohammed Salem
إعتادت أشعة الشمس ذات الخيوط الذهبية أن ترى ابتسامتي، وتضحك من خطواتي تحت الظل، تَتبُعي لصوت العصافير ذاك اليوم كان يوحي بِكم الحرية الثائرة التي تجري في دمي وحجم الغضب السياسي المكبوت في عروقي، أخاف حقاً أن أكون حراً فثمن الحرية باهظٌ جداً على شخصٍ مثلي يمشي بمحاذاة الحائط ويتعثر.

رغم كل كدرات الوضع الراهن الذي يمر به الوطن وضجيج التوتر السياسي إلا أني كعادتي بركان هادئ لا تدرك وقوع انفجاره ولا يمكنك توقعه، كان ذاك اليوم غريب على غير عادة أيامي فبداية اليوم كانت تبشر بكل الراحة! على عكس ما انتهت به وآلت إليه، استبشرت خيراً يومها وليتني ما فعلت كنت أندفعُ بقوةٍ نحو موقف الحافلة وليت قدمي ما وطأت منصتها.

ليتني غفوت في الفراش ولم توقظني منبهات الوقت وسُنَنُ العمل، ليتها ما أشرقت شمس ذاك الصباح، لن أنسى صوت حافلة النحس والبؤس تلك، خطواتي الثابتةُ وأنا أسير نحو المقعد لن أنساها، والوجه الثرثار الذي جلستُ بقربه أيضاً لن أنساه، وحماقتي وغرور لساني، كُل تلك اللحظات التي كانت تسرق نفسها مني ليتها ما كانت، أهوال ما قبل الواقعة لا تُنسى.

شمسٌ لا تُشرق إلا في المصابيح وحيوانات بشرية تفترس جسدك، يُصنع منك آلة موسيقيه تعزف لحناً عربياً يتردد بين الصراخ والبكاء والأنين!!

لا تتحدث فجدران الوطن تُصغي وتنتظر انطلاق غضب كلماتك لتحتضنه/ تعتقله، كلما زاد صمتك خسرت من جِلدك أقل ونجوت من عدد المرات التي تُجلد فيها، ذاك الوجه الثرثار الذي كان يجلس بقربي أجاد أن يجعلني أخطو نحو أول لغمٍ لي، ذلك الحديث الذي جعلني أنتشي بحريتي ولا أرقب الكلمات التي تخرج من قَفصي، كان هذا اليوم متنكرٌ بالأمل، يُبدي ابتسامة صفراء ويضحك في وجهي، كما الطفل حين يكسر قيده ويُفلت يد أمه ويركض مُبتهجاً أمامها.

حديث عابر عن رجل الدولة وربها مع أحد رفاق الطريق، كفيلٌ بأن يعتقلك في سجنٍ لشهور لا تُحصي منها إلا يومك الأول، كفيلٌ بأن يفجع عينيك لمَشاهد لم تحظى بمشاهدتها حتى في أفلام السجون والتعذيب، دعوةٌ لمشاهدة الوجه الأخر للدولة والحكم، مأدبةٌ من الذل والقهر والوجع ونَصبٍ تذكاري تحمله في ذاكرتك وجسدك أينما وطأت قدمك الأرض، توقيت أخر لليوم غير التوقيت الذي نستخدمه وليلٌ أسود غير الذي نعرفه.

شمسٌ لا تُشرق إلا في المصابيح وحيوانات بشرية تفترس جسدك، يُصنع منك آلة موسيقيه تعزف لحناً عربياً يتردد بين الصراخ والبكاء والأنين تشعر للوهلة الأولى بأنك واقفٌ في دار الاوبرا وتستيقظ من غفلتك لصخب البكاء ووقع حدة الألم، عطورٌ عربية برائحة الدم والعفن والموت و فراشٌ من الإسمنت تُداوي عليها جراحك، صيفٌ لا ينتهي برده، و بضعٌ وثمانون نُدبةً تنتشر على جغرافيا ظهرك وتَلتفُ إلى صدرك، تَشُوهٌ في ملامح جسدك وضَرَرٌ بالغٌ في عينيك، تُشفق على الجرذان وتُطعلمها من فتات جلدك المسلوخ. 

تحدث فجدران الوطن ستُصغي وتمنحك رحلة حقيقية إلى سجون السياسة سجون السوط ورجال السلطان، جميعها تشترك بحرف السين الذي سيصبح لسانك يلدغ به ولن يعود ليتلفظ به إن خرجت، رحلةٌ لن تنتهي حتى تنسى اسمك وتاريخ ميلادك… تخرج من رحم السجن ميتًا وتنادي أنا الوطن أنا الوطن.