جلست ثمّة أتأمّل: ماذا لو كانت النهاية، كنّا نسمع كثيراً من المشايخ والعلماء بل والشعراء عن الموت، عن الفناء، عن نفوق اللذات واستقبال هازم اللذّات ومفرّق الجماعات، كنّا نسمع عنه كثيراً حتى كأنّه خدن لنا أو صاحب! لكن في هذه المرّة استشعرت حقيقة الفارق بين النظرية والتطبيق، استشعرت حقيقة الفرق بين من يعدّ العصيّ وبين من يتحمّل سياطها وأوجاعها وضرباتها (كما يقول المثل السوري).
| انتهت أيّامي الخمس والعشرون وأُطلق سراحي، واستقبلت الحياة بنفس الزهّاد وانكسار العجائز، وما زلت حتى بعد خمسة أعوام أراني في المنام بين جدران الزنزانة الضيّقة. |
أوّل سؤال يخطر في بالك وأنت على حافّة الموت هو: "من سيبكي عليّ؟"، فكّرتُ حينها طويلاً وتذكرت أمّي وأبي وعائلتي وأصدقائي، ثمّ ما لبث السؤال الأشد مرارة يطرق مخيّلتي "وما الجدوى؟"، فليبكِ من شاء أن يبكي، ولينحْ من شاء أن ينوح، لكن ماذا سيغيّر ذلك من المعادلة المريرة؟
كانت كلّ الأسئلة وكلّ المطامح تنتهي بالسؤال نفسه: "ما الفائدة؟".
ستسمع آيات القرآن الكريم كأنك تسمعها أوّل مرّة، وسترددها متمثّلاً "كلّ من عليها فانٍ"، حتى أعزّ أصحابك وأقرب أقربائك سيمضون في حيواتهم، وسيكتفون إن تذكّروك أن يقولوا "رحمه الله"، ستدور عجلة وستستمرّ، ولن يبقى في جعبتك إلّا ما قدّمته.
انتهت أيّامي الخمس والعشرون وأُطلق سراحي، واستقبلت الحياة بنفس الزهّاد وانكسار العجائز، وما زلت حتى بعد خمسة أعوام أراني في المنام بين جدران الزنزانة الضيّقة، نعم لقد خرجت من زنزانة النظام لأدخل في زنزانة أرحب هي زنزانة الحياة. قالوا لي حينها: "لقد حزنّا على فراقك، وعدمنا كل وسائل الوصول إليك، وبكينا عليك، نعم بكينا عليك طويلاً".
ما كان يعني لي هذا الكلام شيئاً، كان جوابي الداخليّ هو السؤال المرير ذاته "ما الجدوى؟"، لا ألومكم يا أصحاب، هأنذا أعيش حياتي غير مكترث بفقد أحبّ الناس إليّ وأقربهم إلى قلبي، إننا ننسى يا أصحاب، ولولا النسيان ما أكل آدم من الشجرة، ولم يجد له الرحمن عزماً، لا ألومكم يا أصحابي، سنموت جميعاً وسنعلم يقيناً أن لا جدوى مما ليس منه جدوى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

