طالب الابتعاث والسفارة اليمنية

blogs - طالب يمني
تحت راية العلم الجمهوري، وقف يردد مُنْذُ الصغر
"رددي أيتها الدنيا نشيدي
ردديه وأعيدي وأعيدي
وامنحيه حللاً من ضوء عيدي
يا بلادي.. نحن أبناء وأحفاد رجالك
سوف نحمي كل ما بين يدينا من جلالك"

لم تكن الدنيا مستعدة بعد، لكي تُردد معه نشيد أحلامه، ولم تُعَد له الأيام في ثناياها، سوى مزيداً من الألم والضياع، ولم تدر له الأيام بعد وتمنحه حليب الوطن وحنانه، خرج باحثاً عن دَواء لوطن أثقلته الأدْوَاء، ليجد نفسه حاملاً لأَوْزار ليست بأوزاره، جعلت مطالبه تقف خلف أبواب مؤصدة كُتب عليها ’’سفارة الجمهورية اليمينة’’.

تخوض الدول الحروب، وتعيش الأزمات والنكسات، الواحدة تلو الأخرى، لكنها تجعل طالب العلم في منأى عن كل ذلك، ناهيك إن كان ذلك طالبا مبتعثا، يحمل الآمال المنشودة، والمِعْوَلُ الذي تبنى به الأوطان، والرصيد الفكري والعلمي لمستقبل الأمم، ليكن سفيراً لوطنه في البلد التي يسكنها، يستقي منها ويَبُثّ فيها ثقافة بلده وأمته، يعيش تجارب الأمم، وتعايش المجتمعات، وثقافة الشعوب.

يقف الطالب اليمني حائرا، بين حكومتين، وعاصمتين، ووزارتين، إحداهما صنعت لطالب العلم مقابر كبيرة، تُجيّش منهم كل يوما باسم الحرب الإلهية المقدسة.

تعيش اليمن وكثير من البلدان العربية، حروباً أهلية أعقبت الربيع العربي، وكان من الطبيعي لها أن تنشب، كتلك الحروب التي أعقبت الثورة الفرنسية والأميركية والروسية، ولكن الفرق بين تلك الثورات وثورات الربيع العربي، أن الأولى كانت تحمل رصيدا بشريا متعلما، وقاعدة نخبوية مثقفة، واعية بما لها وما عليها، سرعان ما أعدت البلدان التي شهدتها تلك الحروب، إلى صدارة دول العالم، لتسد الفجوة التي أحدثتها الحروب، بأقل وقت وجهد، بينما دول الربيع العربي، لمجرد أن قامت الثورات ضد الأنظمة الاستبدادية، قطعت تلك الأنظمة علقتها، بكل ما كان على عاتقها من مسؤوليات، ولو كان على حساب القواسم المشتركة التي تهم الوطن ككل، ومن تلك المسؤوليات، تنصلها عن واجباتها نحو طالب الابتعاث.

صدقوني! ربما فَقَدَ الأقرباء والمنازل مؤلم حقاً، لكن ليس هناك من ألم، يساوي ألم طالب مبتعث، يقف مكتوفي الأيدي مغلوبا على أمره، بين جوع ينخر بطنه من جهة، ومن جهة أخرى تهديد الجامعة له بالفصل النهائي، لسبب تأخر مستحقاته المالية، ومن ثم ترحيله إلى بلده، بعد أن قطع مشوارا كبيرا من الوقت والجهد للوصول إلى ما حققه، ليجد الموت في انتظاره، في حرب قذرة لم يسلم منها أحد.

يعيش الطالب اليمني المبتعث على وجه الخصوص، حالة اغْتِراب لم يسبق لها مثيل، تجاوزت فراق الأهل والأحبة، والبعد عن الوطن، لتصبح قضية تؤرق حياة طالب الابتعاث، وتجعله يقف وجهاً لوجه، أمام البحث عن لقمة العيش، في لحظة لم يحسب فيها لكل ذلك حسابا، وفي بلدان لا تسمح قوانين عملها لطالب المبتعث بالعمل.

من المؤسف أن مُعاناة الكثير، لا تزال في كل يوما تزداد وتيرتها، خصوصاً الطلاب الذين لديهم عوائلهم في بلد الابتعاث.

يقف الطالب اليمني حائرا، بين حكومتين، وعاصمتين، ووزارتين، إحداهما صنعت لطالب العلم مقابر كبيرة، تُجيّش منهم كل يوما باسم الحرب الإلهية المقدسة، والأخرى تناست أن مستقبل الوطن، يقف على أكتاف طالب العلم، الذي صمَّت أذانها دون تلبية مطالبه.

لم يقف الأمر هنا، بل وصلت الأمور إلى ما هو أسوأ من ذلك، أحد الطلاب اليمنيين حكم علية بالسجن لمدة 24 عاما في جمهورية روسيا، والآخر في مستواه الجامعي الأخير يلقى القبض عليه بتهمة اغتيال الملك في ماليزيا، وطالبة أخرى في تركيا معتقلة، ذنبها الوحيد أنها كانت تدرس في جامعة تتبع جماعة فتح الله غولن، وآخر وجد مرمياً من الطابق السابع في الهند، لتُسجل القضية باسم "انتحار"، ناهيك أن الطالب اليمني غير مرحب به في كثير من بلدان العالم.

ومن المؤسف أن مُعاناة الكثير، لا تزال في كل يوما تزداد وتيرتها، خصوصاً الطلاب الذين لديهم عوائلهم في بلد الابتعاث، فالمئات من أطفال المدارس، توقفت دراستهم بسبب عدم تجديد أوراق الإقامة.. عبر مدونة الجزيرة، وجدت متنفسا للتعبير، عما يعاني منه كثير من الطلاب اليمنيين لأكتب ما كتبت.