شعب "الميكروباص"

blogs الميكروباصhttp://publish.aljazeera.tv/SourceNewsAgenciesImages/Multimedia/2017/4/25/631e04cc-9e26-4f39-9990-8e7dccb40f0b//Image.jpg

هو دولة صغيرة منغلقة على نفسها، تمشى على أربعة إطارات، يقودها رجل هو في أغلب الأحوال متجهماً، تنشأ هذه الدولة عندما يبدأ القائد في النداء على الركاب محاولاً الفوز بهم، لينطلق قبل غيره، تكتمل هذه الحافلة الصغيرة بعدد أكبر مما ينبغي أن تكون عليه، ويطالب قائدها بقراءة الفاتحة للوصول بسلامة الله إلى الوجهة المطلوبة. 

في مقعد خلف القائد مباشرة، يجلسان، استرق النظرات بين الفينة والأخرى، فأراهما يتهامسان، يبتسمان لبعضهما، يتمايلان فتتمايل معهما الحافلة الصغيرة، يميناً ويساراً، مع خلفية صوتية لواحدة من أغاني العندليب الأسمر، ما يثير الغرابة أنى لا أرى أي علامة من علامات الجمال فيها، لعل الرجل قد أفتتن بجمال الروح، ذلك الجمال الذي يحدثك عنه كل من أصيب بالقبح أمثالي! .

في الميكروباص كلٌّ يغنى على ليلاه، هذا يطمئن على أقارب له، وذاك يفكر في تلك الحماقة الزوجية التي حدثت قبل أن يخرج من منزله بلحظات، وهذا يندب حظه العاثر بعد ضياع فرصة السفر إلى خارج البلاد، شاكياً همه إلى صديقه صاحب النظارات السوداء، التي يبدو أنها تلازمه حتى في غرفة نومه، وآخر يشكو ضيق الحال وغلاء الأسعار وارتفاع تكاليف العلاج، فلأنه من محدودي الدخل، يدعو الله في نهاية كل مساء ألا يمرض أحد أفراد العائلة، لأن ذلك قد يكون بمثابة القشة التي قد تقسم ظهر الرجل، أما إن مرض أكثر من فرد فهذا قد يضطره إلى المفاضلة بين أكثرهم حاجة للطبيب !.

وعلى أحد المقاعد المجاورة لنوافذ الميكروباص، يجول شابان من أصحاب البشرة السمراء، في ملاعب العالم قاطبة، من إفريقيا وحتى تلك القارة التي كانت متجمدة قبل أن تذيبها حرارة حديثهما !، يصلا معا وفى نفس واحد إلى كلاسيكو الكرة الأرضية، حيث إبداع أكبر فريقين لكرة القدم في الأندلس والعالم، فالإبداع بالنسبة إليهما تجسده كرة قدم وصافرة، أما أي شيء آخر فالإبداع منه براء .

على هذا الطريق الضيق المتعرج أكثر من حادث مرورى، كان من الممكن أن نصاب بمثله، لولا أن الله أراد لشعب هذا الميكروباص النجاة، ورغم وصوله إلى وجهته، يبقى شعبه تائهاً بين مطالب الحياة وضيق الحال، باحثاً عن نافذة أمل قد تخلصه من واقع مرير يعيشه يومياً

وفى المؤخرة، يجلس بجواري شاب في العشرينات من عمره، بالغ الوسامة، أنعم الله عليه بشعر طالما حلمت بأن أمتلك مثله!، يمسك بهاتفه المحمول، واضعاً إياه على أذنيه، متحدثاً بصوت منخفض للغاية، تقترب بأذنيك محاولاً سماع كلمة واحدة مما يقول فتعود بأذنيك إلى حيث مكانها، حاملاً بين يديك خفى حنين!، لم ينعم الله على هذا الشاب بنعمة الوسامة والشعر الحسن فقط، بل وبنعمة الصبر على مكالمة هاتفية قد تمتد لساعة من الزمن  .

وحيث أنني من محبى الراديو، وعلى وقع موسيقى أعتدت على سماعها، يبدأ الغناء الذى يطالبك دائما بالصمت وعدم السؤال أو البحث حول ما الذى أعطاك إياه الوطن، بل عليك أن تبحث في نفسك يا حبيب الوطن وما الذى يمكنك أن تقدمه إليه، حتى وإن كنت تعيش فيه غريبا ! .

لا يقطع هذه المطالبات الجميلة إلا صوت القائد، وهو يدعو الركاب الكرام إلى دفع أجرة التوصيلة، ستة جنيهات عليك أن تدفعها نظير أن تخرج من هذا القفص، لا مشكلة لدى الجميع إلا في الجنيه " الفكة " !، وكأننا قد ارتكبنا خطأ كبيراً في حقه لينغص علينا حياتنا ويقرر الثأر منا في أي مكان وزمان ! .

على هذا الطريق الضيق المتعرج أكثر من حادث مرورى، كان من الممكن أن نصاب بمثله، لولا أن الله أراد لشعب هذا الميكروباص النجاة، ورغم وصوله إلى وجهته، يبقى شعبه تائهاً بين مطالب الحياة وضيق الحال، باحثاً عن نافذة أمل قد تخلصه من واقع مرير يعيشه يومياً …