حين يحكمنا المزاج

مدونات، مزاج

يحكمهم "مزاجهم" ويتحكمُ فيهم، يتسلطُ عليهم فيعزلهم عن الناس، ويفرضُ عليهم أن يسجنوا أنفسهم في زنازين الوحدةِ الانفرادية، ينفردُ بهم ويتفردُ بأحاسيسهم، فتُصبحُ كل خطواتهم عشوائية وكل حركاتهم غير مدروسة، تغيبُ عقولهم وتأخذ استراحة، ومزاجهم يُقررُ ويُملي عليهم كل شيء، فهو الآمر الناهي، الرافع الخافض، الجامع المانع، هو مَلكَهم ورئيسهم وهو مالكُ كل شيءٍ فيهم، فسلطته عليهم تتفوقُ على سلطة ذويهم وأولياء أمورهم أجمعين، كلُ من عاتبوهم وعابوا عليهم مزاجيتهم، لم ينجحوا في تخليصهم من سطوةِ "أمزجتهم" فمن وُلد مزاجيًا بفطرته، لن يُغادره طبعه المزاجي إلا حين يغادر الحياة!

تراهم في قمةِ سعادتهم أحيانًا، تشعُ من أعينهم نكهة الفرح وأحاسيس النشوة؛ فيُصبح الكونُ كله في نظرهم فرحًا مختالاً ضاحكًا؛ وفجأة يُقحمهم مزاجهم في دوامةٍ من حزنٍ قد يكون مفهوم الأسباب وقد لا يكون، فينطوون على أنفسهم، حالهم يقول للناس "وأعتزلكم إلى أن تقضي أمزجتنا بانتهاء مدة العزلة فنعود" فهم محكومون لها ولا قدرة لديهم في أن يتمردوا عليها.

المزاجيون، أطيبُ أهل الأرض وأنقاهم، وأكثرهم ظلمًا لأنفسهم ولغيرهم ممن لا يفهمونهم أكرر، فمن لا يفهمونهم يظلمونهم وقد يوقعونَ بهم أشكالاً من العقاب

وما أسوأ الأمزجة حين تتحكم بأصحابها، وفي المقابل ما أجمل حياة المزاجيين، حين تسكنهم الطيبة والإنسانية فهم يحظون بأرواحٍ شفافة وقلوبٍ نقية، يشعرونَ بآلام وأوجاعِ الآخرين أكثر من غيرهم، يعيشونَ محنتهم كأنها تخصهم، مزاجيون رائعون يُقدسون اللحظة ويستشعرونها دومًا، لكن حساسيتهم العالية فيما يتعلقُ بكل الأشياء من حولهم تقتلهم، فما تُعدُ بالأمور التافهة عند غيرهم من اللامزاجيين، هي في نظرهم لها قيمة تتعدى بعدها المادي، فالقيمة المعنوية إن غابتْ في الميادين التي يعيشونّ فيها، تُفقدهم كلَ جمال الحياة!

يعشقونَ البعد المعنوي أكثر من غيره، وفي معظهم هم رومانسيون يُحبون الشعرَ والأدب والروايات وكلَ ما يبعثُ في حياتهم الأمل والتفاؤل والسعادة، في دمهم يجري حبُ المغامرة، فلا يكفون عن التجربةِ وخوضِ معتركٍ فيه تجديد وجديد، يُحبونَ من يحتويهم حبًا جمًا، ومن لا يؤذيهم في شاعريتهم ومشاعرهم وإنسانيتهم.

ورغم كل صفاتهم الجميلة، فإنهم في الأغلبِ يُظلمون لأن قليلين من يدخلون في أعماقِ وجدانهم وشعورهم، قليلون من يفهمونَ تعطشهم لأن تسودَ الإنسانية، فهم لا يُلقونَ بالاً للحياة إن غابَ عنها الجمال، وأجمل أشكال الجمال تُجسده أرواحهم، فهم يمتلكون أرواحًا بالغة في النقاء، مرهفة إلى حدِ الدهشة، تضيقُ بهم الأرض بما رحبتْ إن مسَ أحبابهم أي شكلٍ من أشكالِ الأذى، لا يكفون عن تفقدِ أحواله، اهتمامهم قد يكونُ مبالغ فيه عند من لا يفهمونهم، وعطاؤهم قد يرتقي إلى مستوى درجةِ الاستغلال عند من لا يستوعبونَه، هم ملائكيون بثوبٍ مزاجيٍ رائع، رائع لِمن يفهمهم ويتفهمهم، وسيء لمن يجهلهم.

المزاجيون، أطيبُ أهل الأرض وأنقاهم، وأكثرهم ظلمًا لأنفسهم ولغيرهم ممن لا يفهمونهم أكرر، فمن لا يفهمونهم يظلمونهم وقد يوقعونَ بهم أشكالاً من العقاب. المزاجيون أناسٌ مبدعون، حين يتولونَ أيَ نوعٍ من أنواعِ الأعمال، ويتقلدونَ أيَ مهمةٍ من المهمات يُنجزونها بحسٍ عالٍ وإحساسٍ يصلُ إلى قلبِ المتلقي قبل أذنه، فترى لأعمالهم صدى مدوٍ وتراهم دومًا في مقدمة الصفوف؛ فطوبى لمن له مزاج يتحكم به ويقوده إلى الرفعةِ والعلياء، وإن ألحقَ به الأذى في كثيرٍ من الأحيان.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان