انتهى عقد الاستثمار في الأزمة السورية.. ولكن

blogs - Syrian national flag

لطالما سمعنا جعجعة ولم نر طحيناً ولطالما تعلقنا بحبل الأمل مع كل نبرة مختلفة أو تغريدة خارج السياق وما لبث أن انقطع ذلك الحبل وأردانا في قاع الخيبة والتأسُّف، ليتشكل لدينا وبعد كل تلك التجارب المريرة والمحبطة منعكس شديد الحساسية لأي فعل أو تصريح أو تلميح يريد حملنا مرة أخرى إلى أعلى المأذنة ومن ثم الإطاحة بنا على تلك القشة، فالطبيعي وبناءً على مؤشرات ذلك المنعكس الحسّي نحن مقبلون على مستويات أعلى من العنف وإخفاقات جديدة لمسارات الحلول والتهدئة وخذلان جديد يسعّر النار ويبث فيها روحاً توسّع من دائرتها وتجعلها قادرة على التهام مساحات لم تصل إليها بعد، تشاؤم نراه مبرراً بمراجعة بسيطة لأحداث الست العجاف السالفة من عمر الإنسانية الميتة والمدنية المتوحشة والمؤسسات الدولية العاجزة.
 

لكن ثمّة من يرى أن لهذه الحالة اختلافاً جوهريّاً مبنيّاً على استبدال أحد اللاعبين الأساسيين المسببين لكل تلك الخيبات في الفترة السابقة بلاعب مختلف تماماً في الاستراتيجية والتوجه وطريقة التعاطي وحتى في الجذور واللون والهوايات والاهتمامات، وبناءً عليه يحق لنا أن نتوقع شيئاً مختلفاً قد لا يؤتي ثماره مباشرة وإنما يمكن اعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح سوف يبنى عليها فيما بعد .وهنا يكون لشيء من التأمّل دور كبير في القدرة على الفهم، لتقييم الموقف وتحديد آلية التعاطي مع الحدث الجديد على الأقل من باب الخبرة المستفادة من كل ما سبق لتجنب مزيد من الخيبات والانكسارات.
 

لنبدأ من البديهيات:

المرحلة الحالية في سوريا هي أن تُجار الحروب المتمرسين (باستثناء روسيا) يرون أن الأهداف تحققت ولم يتبقى سوى إنهاء الأزمة للحصول على الجزء المتبقي منها والمرتبط بإعادة الإعمار.

– الثورة في سوريا نتيجة طبيعية بل ومتأخرة لممارسات النظام على مدى أربعين سنة من الظلم والاستبداد بغض النظر عن سبب اندلاعها المباشرة وبهذا الوقت وهذا مسلم به، وبالتالي كان من المفترض أن يتعامل المجتمع الدولي معها على الأقل كما تعامل مع ثورة تونس ومصر وليبيا ولكن ذلك لم يحدث.. لماذا؟
 

– بدأت الثورة سلمية ولم تتحول إلى مسلحة إلا نتيجة لتعاطي النظام الأمني معها بغض النظر عن مصدر السلاح وهذا مسلم به ومعروف، وبالتالي كان من المفترض إما ردع النظام منذ البداية أو دعم المعارضة لتكون قادرة على فعل ذلك بنفسها ولكن ذلك لم يحدث.. لماذا؟
 

– لم يكن بمقدور النظام ورأسه الثبات والصمود أمام الثورة لعدة أشهر وليس لسنوات لولا تدخل قوى خارجية بموافقة أمريكا وبالتبعية إسرائيل وهذا مسلّم به وبالتالي لم يُسمح للثورة أن تأخذ مسارها الطبيعي.. لماذا؟
 

– تم إفشال جميع محاولات تشكيل معارضة حقيقية وفاعلة ينطوي تحتها كفاح الثورة المسلح من خلال تشتيت وتقليص الدعم لها، بقرار أمريكي وبالتبعية الإسرائيلية وهذا مسلًم به ومعروف.. لماذا؟
 

– تم التغاضي عن جميع أفعال وقرارات النظام المؤدية حسب نظرية التطور الطبيعي لتشكيل كيانات إرهابية أصبحت فيما بعد الأداة الأساسية لإجهاض الثورة وتفريغها من محتواها لا بل واستخدمها (تلك الكيانات) لضرب كل من يحاول بطريقة ما التأثير بالثورة.. لماذا؟
 

– تم تجميد عمل المؤسسات الدولية وشلها بطريقة قانونية على يد روسيا حليفة إسرائيل، الحليف الأول للغرب وعلى رأسهم أمريكا، ليصبح فعل أي شيء سوى الشجب والتنديد غير قانوني وغير ممكن.. لماذا؟
 

بعد كل تلك المحاذات نستنج سبباً واحداً لا يختلف عليه مائة محلل وهو أنّ ما حدث في سوريا طيلة السنوات السابقة لم يكن إلا عقد استثمارٍ مربحٍ بين تجار الحروب المتمرسين وحفنة من خونة شكلوا ذات غفلة من الشعب نظاماً قذراً عميلاً، على حساب دماء أكثر من مليون شهيد وأكثر من مليون معتقل وملايين المهجرين والمشردين، وذلك لتحقيق أهداف نوعية واستراتيجية لكلا طرفي العقد تمثل حصته من الأرباح من هذا الاستثمار.
 

أولاً: حصة تجار الحروب المتمرسين (إسرائيل والدول العظمى بما فيها روسيا)

النظام يستخدم روسيا للتوسط لدى حلفائها لإعطائه مزيداً من الوقت والدفع باتجاه الحل وهذا ما يتم النقاش حوله الآن وغالب الظن أن يتم تمديد الأزمة لفترة بسيطة مراعاة للخبز والملح بينهم وبين هذا النظام.

• تحويل سوريا ذات الأغلبية السنية والتي تعتبر امتداداً طبيعياً لتركيا السنية وجارة إسرائيل إلى دولة فاشلة بكل المقاييس، لن تستطيع أي حكومة قادمة مهما كانت فاعلة ومخلصة إنهاضها دون دعمٍ خارجي والذي بالطبع سيكون مشروطاً على أقل تقدير بضمان ما كان يضمنه نظام الأسد من حماية لحدود إسرائيل وأمنها طيلة الفترة السابقة.
• تغيير ديموغرافية سوريا جارة إسرائيل بقتل مئات الآلاف من السنة وتشتيت الملايين منهم في أصقاع الأرض وتشويه الجيل ولربما الأجيال القادمة جسدياً ونفسياً وثقافياً.
• خلق نقطة ضعف في الشرق الأوسط يمكن من خلالها استنزاف موارد دول المنطقة لعقود طويلة قادمة.
• التمهيد للانتقال للمرحلة التالية على طريق قيام دولة إسرائيل الكبرى والتاريخية من الفرات إلى النيل على الأقل اقتصادياً.
• أخيراً تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من أرباح مادية في السوق الرائجة لتجارة السلاح والبشر والآثار والأعضاء البشرية والمخدرات. الأرباح المادية المتوقعة من عقود إعادة الإعمار.

ثانياً: حصة النظام
إطالة العمر محاولة إعادة تأهيله لمرحلة قادمة. استنتاج بسيط يفيد أن المطلوب لتوصيف التغيرات المستجدة وتقييمها فقط معرفة مدة عقد الاستثمار في الأزمة السورية الآنف الذكر، وبما أن تفاصيل العقد سرية نلجأ للاستنتاج مرة أخرى، إن مدة العقد دائماً تعرّف بالفترة اللازمة لتحقيق الأهداف المرجوة منه لكلا الطرفين:
– تجار الحروب، جميع الأهداف محققة ولم يتبقى سوى أرباح إعادة الإعمار المتوقعة ولا بدد من إنهاء الأزمة للشروع بتحصيلها. 

– النظام: تمت إطالة عمره ولم تفلح محاولات إعادة تأهيله.
 

– أخيراً: نستنتج أن المرحلة الحالية هي أن تجار الحروب المتمرسين (باستثناء روسيا) يرون أن الأهداف تحققت ولم يتبقى سوى إنهاء الأزمة للحصول على الجزء المتبقي منها والمرتبط بإعادة الإعمار في حين أن النظام لم يحقق الجزء المهم من حصته من هذا العقد وهو إعادة تأهيله وضمان بقائه لفترة أخرى قادمة وهو يستخدم روسيا للتوسط لدى حلفائها لإعطائه مزيداً من الوقت والدفع باتجاه الحل وهذا ما يتم النقاش حوله الآن وغالب الظن أن يتم تمديد الأزمة لفترة بسيطة مراعاة للخبز والملح بينهم وبين هذا النظام ولكن ليس لفترة طويلة.

من المهم أن نفهم أنّ الموضوع ليس متعلقاً بشخص الرئيس الأمريكي أو الروسي أو غيرهم. وإنما الخطط الاستراتيجية المرسومة من قبل من هم أكبر نفوذاً منهما ويشرفون على تنفيذ الخطة على مستوى كوكب الأرض .