شعار قسم مدونات

الصمت في صخب الجميع!

blogs الصمت

"الحوار" هي الكلمة الأبرز التي تحت بندها يندرج كثير من الصخب واللغط، وقت ثمين بجوارها ينفد، ومجهود أثمن ينقضي في السراب، لا لأن الحوار شيء ذميم يجب أن نتجنبه، ولكن لأن الحوار في زماننا أعطيناه منا ومن عبثنا ما صار به مسخًا مُفرغًا من معناه. على ساحات الافتراض وفي رتابة معتادة أتابع تعليقات المارة، هنا شخص لا يمل من إبداء رأيه في كل شاردة وواردة، وكأنه للكون صار مركزًا، وهنا شخص آخر لا يمل من النقاش واستحضاره واختراعه، ويا ليته ينتهي به إلى شيء أفضل مما هو عليه، وإنما في الغالب ينتهي به إلى سلاطة زائدة في اللسان، وتمرس في الدفاع عما اسِتُبْطِن فيه.

لم تطالبنا الحياة أبدا أن نتخذ مواقفًا متواترة من كل طارئ يجدّ على ساحتها، فضلاً عن أن نُعلن تلك المواقف ونسير في إذاعتها شرقًا وغربًا، إننا نُحمل أنفسنا فوق طاقتها حين نجمع بين استيعاب تفاصيل الحياة والأحداث وتقييمها، وبين الصراخ والجدل البيزنطي العقيم، لذا لا أرى داعيًا لذاتي أن أستتبع كل أمر يحدث حولي بتعليق ما أو رأي، إننا نُقيّد أنفسنا ونقلّص مساحاتنا حين نتوقف لدى كل هذا القدر من مآسي العالم وكآبته، فما كان يمكننا توفيره من جهد ومساحة للتفكير والتعديل والارتقاء، أهدرناه مختارين في الرثاء وفي تحمل ما لا طائل لنا من تحمله!

في هذا الكون الشاسع لا تنتمي الأشياء إلى لونين متناقضين هكذا وتكتفي، بل إنها لتنتمي إلى ألوان كثيرة متعددة، ومع ذلك ما زلنا نُصر على حصر الأشخاص والأحداث والمواقف في لونين فقط، إما أبيض إما أسود، وكأننا لم نختبر الشر فينا كما اختبرنا الخير، وكأننا لم نختبر الألوان كلها في وردة، كل الأشخاص والأحداث والمواقف أعقد بكثير في الغالب من أن يكفيها لون أو بالأحرى وصف. إن الحوار مناسب لبيئة متصالحة مع تعددها، وليس أبدًا لبيئة عنصرية بغيضة تسمي الاختلاف حربًا وتسعى جاهدة كيفما استطاعت إلى جث جذور الآخر دون تردد أو تفكير، ليتنا نعي أن الاختلاف هو عين القوة وسر المضي قدمًا إلى الأمام، فُسحة للعين قبل القلب ترى بها من حيوات الآخرين وسلوكهم ما تستفيد به في إكمال نقصها وتحييد سيئها والتأكيد أكثر على ما فيها من نفع وتفرد.

الصمت في صخب الجميع ربما لا يروي ظمأ أصحاب الفضول، لكنه في نفس صاحبه يصنع الكثير، يصنع هدوءًا داخليًا يمهد لتفكير سليم، يزكي انفصالاً مطلوبًا عن اللحظة، انفصالاً يقود لأحكام أقرب للصواب، يكسر تابوهات النرجسية والأنا

إن احتكاك الرأي بالرأي يهذبه، فقط في مساحات منتقاة من النقاش، مساحات يبذل فيها كل طرف ما بوسعه لفهم الحقيقة لا لتبرير موقفه والدفاع عن هواه، دون ذلك فصراخ وجدال مكرر، صراخ يعطل أجواء تفكير سليم، وجدال يهدر طاقات جليلة كان يمكن توجيهها لفهم أركز وأعمق للحالة. لذا سنجد معظم الآراء الصادرة عن عقل يفكر ويشتبك ويسب ويشتم، آراء مشوشة في جملتها لا تضيف للحالة إلا استعارًا ولهيبًا، استعارًا ولهيبًا يُعميان بصائر التابعين والمتناكفين أكثر وأكثر، ويزيدان الفرقة، ويزكيان الهبوط نحو هاوية منتظرة.

الصمت في صخب الجميع ربما لا يروي ظمأ أصحاب الفضول، لكنه في نفس صاحبه يصنع الكثير، يصنع هدوءًا داخليًا يمهد لتفكير سليم، يزكي انفصالاً مطلوبًا عن اللحظة، انفصالاً يقود لأحكام أقرب للصواب، يكسر تابوهات النرجسية والأنا ويقرب ملتزمه من حقيقته كآحاد ضئيل وعنصر دقيق في كون زاخر بكل أنواع الحياة، يضع متبعه على مرتفع وتغاير يؤهلاه لرؤية أشمل ونظرة أبعد تتجاوز حدود ما آلف، وفي مدح الصمت ما أكثر التعداد وما أبلغ التبيان، فصمتًا صمتًا عن دروب اللغو الفارغ من فائدة، وإقبالاً إقبالاً نحو صوغ لعمل مثمر أو موقف مجود يرتكن للتأني والضمير.

عدم الاكتراث ليس اختيارًا في غالب الأمر، إنه الانتباه الشديد والاستيعاب المفرط لكن كمرحلة ما تالية، اسمحوا لمسام عقولكم أن تستريح هنيهة من لزاجة الزحام، اسمحوا لقلوبكم المتعبة أن تتنفس الصعداء، أروها من مساحات الفضاء والسكون ما تبل به الصدى، ولا تحسبن ذلك دعوة لهجر أو زهد، بل هي دعوة لتوقف ومحاسبة، محاسبة وتوقف نعود من بعدهما أقوى وأقدر على مواجهة الأيام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.