ارتفاع نسب الطلاق. نظرة أخرى

blogs - يد زواج
نشهد ارتفاعا مخيفا في نسب الطلاق في العالم العربي، في الأشهر الستة الماضية، في قطر، حسب الإحصائيات فنسبة الطلاق تصل إلى ٦٠٪، أي من بين كل عشر حالات زواج، يقع في ست منها حالات طلاق وانفصال، ويلازم في الأوساط الشعبية الحديث عن نسب الطلاق حديث عن الأسباب، وكثيرا ما يتم إلقاء اللوم على الماديات وتكاليف الزواج وارتفاع المهور، فيخرج الناس بحلول مثل تحديد المهور أو تخفيض التكاليف أو زيادة معونة الدولة للفرد المتقدم للزواج، كنت كذلك أنا ألقي اللوم على ذات الأسباب خصوصا في مجتماعتنا الخليجية، حيث أصبحت حفلات الأعراس ميدانا لتفاخر الناس بكثرة أموالهم، ولا يتحمل هذا إلا الشاب المسكين الذي في كثير من الأحيان يقترض ليتزوج، ويظل يسدد قروض زواجه سنين عديدة، لكنني لم أعد أرى أن هذا هو السبب، فكثير من العوائل الغنية تتزوج من بعضها ولا يهمها ما يصرف من أموال، وأيضا يقع الطلاق في السنة الأولى، وحين إيقاع الطلاق لا يتم الحديث عن تعويض ولا مهر مؤجل بل غاية ما يراد أن يتم الانفصال.

أين المشكلة إذن؟
كثير من الظواهر الاجتماعية التي تأخذ طابعا سلوكيا خاطئا يكون الخلل فيها في عالم الأفكار، يكثر الحديث عن الزواج في مجتمعاتنا بأنه مسؤولية وهم ونكد وأولاد وتربية بصورة تحذيرية منفرة، تصنع حول الزواج هالة من الخوف، وما يقدمه الإعلام العالمي حول صداقات الجنسين والعلاقات الرومانسية وتصوير الحياة بالوردية مع الحبيب والبوي فريند، يصنع كذلك صورة نمطية معينة عن الارتباط العاطفي مع الجنس الآخر، مغرقة في المثالية واللطافة، فيحدث أن يبحث الشاب والشابة عن الحياة الوردية المثالية التي لن توجد أصلا، وهي الآن ظاهرة منتشرة اليوم بين الشباب والبنات، قد تفسر لنا أين تقع المشكلة.

لم يخل اجتهاد العلماء منذ عصر الصحابة من مراعاة للظواهر الاجتماعية التي تحيط بهم، فعمر بن الخطاب أوقع الطلاق بالثلاث ثلاثا مع أنه لم يكن يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأقصد بذلك العلاقات بين الشاب والبنت خارج إطار الزواج على غرار ما يحدث في الغرب من صداقة الجنسين، لكن تتشكل هذه الصداقة بشكل أكثر محافظة نظرا لمحافظة المجتمع، فتجد الحديث بينهم يدور عن تطلعاتهم لحياتهم المستقبلية داخل إطار الزواج، تجد عبارات الحب والمودة والرحمة بشكل لا تجده أحيانا من ذات الأشخاص مع شركائهم في الحياة الزوجية، وكثير من النكت المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي عن نوعية هذه العلاقات تجد ما ذكرت يفوح منها، تجد البنت لا تريد مالا ولا بهرجة ولا عرسا فخما، بل كل ما تريد هو أن ترتبط بمن أحبت، فتساءلت.. أهي فعلا المشكلة في المظاهر والاهتمام المادي بالزواج؟ أم أن عالم الأفكار عند الشباب يجب أن يتغير؟

كذلك قد نعرف المشكلة من خلال ما أقامته مؤسسة راف في قطر من حملة توعوية تدعم بها الشباب المقبلين على الزواج ثقافيا وماديا أيضا، يدخل المتقدم قبل الحصول على الدعم المالي في دورات توعوية حول الزواج يدور رحاها حول خمسة محاور: شرعي، طبي، نفسي، اقتصادي، اجتماعي، تقدم لهذا المشروع ألفي شاب وشابة بمنى ألف حالة زواج .. بعد انتهاء الدورات وتقديم الدعم تستمر المؤسسة بتقديم الدعم، لكن على شكل استشارات ومرجع للمشاكل، الإحصائية المدهشة أن ألف حالة زواج حصل فيها تثقيف وتوعية لعالم الأفكار حصل من هذه الحالات الألف، ثلاث حالات طلاق، وجلها قبل الدخول (العرس)، ماذا يعني هذا؟ يعني أن المشكلة كما أسلفت في عالم الأفكار والتثقيف والتوعية في مختلف المجالات بمعنى الزواج عاطفيا وشرعيا واجتماعيا!

ما الحل؟
أولى الخطوات في رأيي أن نراجع طريقة اجتماع الرجل بالمرأة في مؤسسة الزواج، أي علينا أن ننظر لطريقة مجتماعتنا في التعاطي مع المتقدم للزواج.. في الحالة الخليجية والقطرية خصوصا الخطاب الشرعي هو المهيمن على المجتمعات، لكن كثيرا الخطاب الشرعي مع الأسف التصق ببعض العادات السيئة التي تعيق تأسيس الزواج على المودة والرحمة، وأضرب لذلك مثالا.. النظرة الشرعية ممنوعة عند كثير من العائلات في الخليج، لا أنكر تخلص بعض العائلات منها، لكن مع ذلك على تطبيقها للنظرة ملاحظات – بحجة العيب وحماية الشرف، وكيف إذا رآها ولم يعجب بها؟ وهذه طريقة منافية لمقصود النظرة الشرعية.

جاء أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم يبشره بأنه خطب امرأة، فسأله النبي "أنظرت إليها؟" قال لا، قال: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا". أنا أدعو للنظر في معنى أن يؤدم بينكما ذكر الترمذي في سننه بعد أن أورد الحديث "أي أحرى أن تدوم المودة بينكم"، ماذا لو تأملنا هذا الحديث وأسقطناه على واقع النظرة الشرعية اليوم؟ هل تؤدي الغرض المقصود؟

عالم الأفكار حول الزواج عند الشباب والبنات والأهل هو ما يجب أن يتغير، إذا حصل هذا سينصرف الاهتمام من المظاهر إلى الاهتمام ببناء بعلاقة عاطفية ناجحة.

لم يخل اجتهاد العلماء منذ عصر الصحابة من مراعاة للظواهر الاجتماعية التي تحيط بهم، فعمر بن الخطاب أوقع الطلاق بالثلاث ثلاثا مع أنه لم يكن يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، واستقر القول بإيقاع الطلاق بالثلاث ثلاثا إلى أن جاء ابن تيمية وخالف الأئمة الأربعة، وقال بعدم وقوع الطلاق بالثلاث إلا واحدة، ويروي أن ابن تيمية قد تفشى في زمنه زواج التحليل الذي يعيد للمرأة المطلقة بينونة كبرى إلى زوجها الأول، ولا شك في أن انتشار هذا كان بسبب إيقاع الطلاق بالثلاث ثلاثا، فابن تيمية خالفهم مراعيا لظاهرة اجتماعية تؤثر على بنية مؤسسة الزواج.

بناء على هذا أقول: لا بد من إعادة النظر في تطبيقنا للنظرة الشرعية مراعاة للظاهرة الاجتماعية المتفشية الآن، وهي غياب المودة والرحمة بين الأزواج، وبحثهم الحثيث عن المودة والحب بعيدا عن الزواج، لذلك وأنا أقترح الصيغة التالية للنظرة الشرعية:

أن تكون جلسة تعارف تحت نظر الأهل لا يقتصر فيها النظر إلى زينة المخطوبة فحسب، بل أيضا يتم الحديث بينهما عن تطلعاتهما في الحياة الزوجية وعن أهدافهما والتعرف على الشخصيات ما إذا كانت تناسب الارتباط وقد تتكرر هذه الجلسة، ثم بعد ذلك يقرر الطرفان ما إذا أرادوا الارتباط ببعضهما أم لا، والصحيح من أقوال العلماء فيما ينظر للمخطوبة أن ينظر إلى ما يظهر منها عادة في بيتها بدليل إذن النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن ينظر إلى مخطوبته بدون علمها، وقد تتشكل هذه الفكرة لكل عائلة بما يناسبها، لكن الأهم أن حصل المراد من النظرة "أن يؤدم بينكما".

ختاما: عالم الأفكار حول الزواج عند الشباب والبنات والأهل هو ما يجب أن يتغير، إذا حصل هذا سينصرف الاهتمام من المظاهر إلى الاهتمام ببناء بعلاقة عاطفية ناجحة.. وأذكر بأن تعظيم الله عز وجل في القلب والإصرار على إقامة الأسرة الموافقة لمراد الله أمور تعين المسلم وقد قال حبيبنا: “ثلاثة حق على الله عونهم” وذكر منها: “والناكح الذي يريد العفاف“.