شعار قسم مدونات

وأنا لا أيأس!

blogs - hope
وأنا لا أيأس.. أحاولُ أن أفهمَ كلَ شيءٍ حولي أكثر، أسعى لأن أصبحَ مثقفة بمعنى الكلمة وبكل استحقاقاتها، إنسانة صاحبة بصمة، وأنا لا أيأس أكتبُ تدويناتي بما تحمله من ثورةٍ داخليةٍ تحتويني أو بما تتضمنه من تجربة شعورية تُسيطر علي أو أثرت وما تزال توثرُ في مجرى حياتي، تجدُ بعضها طريقها إلى الجمهور، وبعضها الآخر تبقى بعيدةً وكأنها بذلك تأبى أن تكشفَ عن جانبٍ من حياتي يصر على أن يبقى مستور!

وكأنَ تدويناتي التي لم تُنشر تقولُ لي "استري عليّ يستركِ الله"، خاصة وأنني أنحاز إلى الفئة التي تكتب كل ما يدور بداخلها دون أن تكترث بردات فعل القارئين، أو بالشعور أو الإنطباع الذي يمكن أن يطبعوه في ذاكرتهم نحوي، فسواء كان انطباعا حميدا أو خبيئا، حسنا أو قبيحا، فإنني أتمادى في الكتابة، أضع أناملي على أحرفِ جهازي؛ فأطبع كل طبعٍ يسكن بي، ولا أجد حرجا في أن أظهر تطبعا اكتسبته من خلال مخالطتي للآخرين.

فأنا لا أؤمن بأن الطبعَ يغلب التطبع دائما، هناك حالات استثنائية فيما يتعلق بالحالمين الذين يصرون على التخلي عن عادات قد تعيقهم عن الوصول، فيدفعون الكثير من جهدهم ووقتهم وراحتهم ليصلحون عيوب أنفسهم.

سأكون يوما شاهدة على عصري بل وعلى عصور أخرى لم أعشها؛ شاهدة لأنني اتخذت قرارا بمصاحبة كُتّاب عظماء رحلوا دون أن ألتقيهم

أنا من هذا الصنف، أتمعن دوما حياة الناجحين، وإن رأيت نفسي ناجحة في جوانب معينة، فأنا على يقين وقناعة بأنه ينقصني الكثير الكثير لأكون نجمة جذابة لا نجمة عابرة في سماء النجوم، وأنا وإن وصلت إلى القمة في أعمال معينة؛ فإن التحدي الأكبر والأخطر والمستفز لي دوما هو كيف أسمح لنفسي وأساعدها بأن تحافظ على اعتلائها للقمة في ظلِ قناعة صحيحة وواقعيةٍ تقول "إن صعود القمة سهل، لكن المحافظة عليه هو السهل الممتنع إلا لمن لديهم الهمة الكافية وطاقتهم دوما في شحنٍ مستمر".

أعشق حديث النفس عن الأمنيات والطموحات، ولكنني أعشق أكثر الطرق العملية التي تساعدها على تحقيقها، الطرق المستقيمة التي يعبدها الإنسان بدمه الحار والمشتعل دومًا والمتحمس للريادة، فتراني لا أكف عن اقتناء كتب التنمية البشرية، رافضة لمز البعضِ لهذه الكتب باعتبارِ أنها تُكرر نفسها وقد لا تُقدم أي جديد، ورغم أنها قد تكونُ كذلك في بعضِ الأحيان، إلا أن ذلك لا يمنعني من تصفحها بين الحين والآخر، لمواراةِ جوانب الإنكسار التي قد تغزو روحي حينَ يُسيء البعض لحقها أو لتعطشها في اقتناص الجميل من الفرص، تراني أحضنها كما تحضن الأم وليدها لأهزمَ حالات اليأس التي تراودني حين أفشل في تحقيقِ أمنيةٍ ما.

وتجدني مقبلة عليها كما يقبل التائه على شيءٍ ضاع منه ووجده بعد طول بحثٍ وتنقيب، فما أجمل الأحاديث التنموية التي تعطي الروح وجبات غذائية متكاملة من الإصرار والدافعية.

ولا أخفيكم سرًا؛ فأنا لا أقرأ كتبَ التنمية البشرية؛ لأكونَ قيادية في عملي، بل لأكون إنسانة ناجحة في حياتي الأسرية والإجتماعية من قبل، لأنني أتبنى المنطق القائل بأن رسم ابتسامة على شفاهٍ حزينةٍ أجمل بكثيرٍ من تحقيقِ أحلامي الشخصية؛ فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط، إنه التأثير الإيجابي الذي يبدأ بنظري من اهتمامي بالآخرين، الإهتمام الذي يُسعدهم، فتأتيني السعادة على إثره.

أقرأ ولا أيأس، أحاول ولا أقل لا أعرف، أواجه صعوبات بالتأكيد، لكنني مولعة بكشف أسرار النفس التي تقابلني، وتحطيم الأسوار التي تختبئ خلفها لتخفي ما يقلقها أو يؤذيها، أحب الإبحار في أعماقها، لأن ذلك يساعدني في هدم كل الفجوات التي بيني وبينها، إنه التفهم والتوغل في عالم الآخر الذي تختفي معه كل الطبقية، فلا تكاد تُذكر الفروق في الأعمار والأحجام والأجناس، وإن كان الناس مقامات، فإن القراءة كفيلة بأن توحد مقام القارئين، وتُعلِيها أعلى الدرجات، لأنها وحدها من تفتح الأفاق ووحدها من تمتلك مفاتيح الدخول إلى الثقافات، وحدها البوابة المجانية للسفر نحو كل القارات، وحدها هي دون غيرها تجلب لنا المتعة والشعور الرائع ونحن متكئين على الأرائك لا نملك سوى أوراق وكتب.

سأكون يوما شاهدة على عصري بل وعلى عصور أخرى لم أعشها؛ شاهدة لأنني اتخذت قرارا بمصاحبة كُتّاب عظماء رحلوا دون أن ألتقيهم، أو لنقل توفاهم الله قبل أن أولد، لكنني سعيدة بجلوسي معهم وجلوسهم إلى جانبي أستمع إليهم، وأنظر إلى تعابير وجوههم بينما أستمتع بارتشاف فنجان قهوة، به الكثير من الحكمة والتاريخ وعمق الأثر. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.