هل دائماً الأُم مدرسة؟

مدونات، الأم

يقول الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدة العلم والأخلاق :"الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها… أعدت شعباً طيب الأعراق". أغلبيةُ النّاس قد سمعوا هذا البيت الذي نُقِش في عقولنا منذ الصغر. فقد شبّه حافظ إبراهيم الأمَ بالمدرسة التي إذا أُعدّت إعداداً جيداً من كافة النواحي التربوية والتعليمية كان نِتاجُها شعبٌ طيب الأعراق. تُراوِدُني الكثير من التساؤلات كلما أُلقيَّ هذا البيت أمام مسمعي. ماذا لو كانت هذه الأم غير معدة؟ ما نِتاجُها؟ ماذا تحتاج المرأة لتصبح أماً ناجحة؟

توجد في مجتمعاتنا -للأسف- ثقافة الاستهتار والتقليل من شأن بعض التخصصات الجامعية إلى أبعد الحدود، نأخذ تخصص "تربية الطفل" كمثال لنطرحه في سياق الموضوع. فهذا التخصص الجامعي يجب أن يكون منهجاً يُدرّس لجميع المقبلات على الزواج، لمساعدتهنّ على فَهم سيكولوجية الطفل، ولتنبيههنّ إلى أهم العوامل التي تؤثر في سلوك وشخصية الطفل في المستقبل. فالطفل كالعجينة يتأثر بسهولة، أضعف الضربات تؤثر عليه وتُغير شَكله، والأم هي الخباز الذي يؤثر على العجينة ويغير من شكلها ويصنعها كما شاء، قد تظهر جميلة أو قبيحة بعد عملية الخَبز اعتماداً على مهارة الخباز ومعرفته. 

إذا التحمت عاطفة الأم وحنانها بالعلم والمعرفة والتربية الاسلامية، كانت ثمارها محمودة الصفات والأخلاق، أما اذا كان الجهل رفيق العاطفة، فلا دافع للضر إلا الله

إذا، إن كانت المرأة غير مُعدَّة ومجهزة لمنصب الأمومة، فلن يكون نِتاجها محموداً. فالمنسوب العالي من العاطفة والحب في قلب الأنثى غير كافي -وحده- لبناء سلوك قويم وشخصية قوية للطفل ما لم يُستبدل الجهل بالمعرفة العامة الأساسية التي يحتاجها كل فرد. يجب أن تدرك الأم أثر كلّ عَمل تفعله على سلوك طفلها في المستقبل، متجنبةً إظهار الغضب والسخط والقسوة والترهيب والتهديد ومبتعدةً أيضاً عن الصمت -أو أحياناً الفرح- عند قيام الطفل بتصرف خاطئ مثل الشتم وضرب الآخرين، يجب أن تكون في نقطة النصف، بحيث يُحذّر ويعاقب الطفل على سلوكه الخاطئ حتى لا يُكرره مرة أخرى مبتعدةً عن أسلوب التهديد الذي يُهرّع الطفل ويملئ عقله بالمخاوف، وأيضاً عن القسوة الزائدة التي تجعل من الطفل عدوانياً. 

في هذا الزمان المتسارع على الصعيد التقني والصناعي، يَكبر الطفل معاصراً الكثير من الاختراع التقنية من أجهزة المحمول الذكية والأجهزة اللوحية وألعاب الفيديو والتلفاز. تجهل بعض الأمهات الآثار السلبية الفيزيائية والنفسية لبعض هذه ألعاب والتقنيات على أطفال، من أضرار على الجسم نتيجة قلة الحركة والتخمة والتعرض لبعض الاشعاعات التي تؤثر على العيون وعلى الدماغ. وللأضرار النفسية النصيب الأكبر، فالكثير من الألعاب تكون خيالية الشخوص والأحداث مثل مصاصي الدماء و الزومبي..الخ، وبذلك تترسخ في عقولهم هذه الصور والأشخاص مسببة الخوف والهرع للكثير منهم. أما بالنسبة للأنترنت فإن خلا -جدلاً- من مظاهر الابتذال والرذيلة فإن الاعلانات هناك لن تخلوا أبداً.

إذا التحمت عاطفة الأم وحنانها بالعلم والمعرفة والتربية الاسلامية، كانت ثمارها محمودة الصفات والأخلاق، أما اذا كان الجهل رفيق العاطفة، فلا دافع للضر إلا الله. في النهاية، الأم هي أقدس العواصم، فيها تتجلى الإنسانية وفيها يُخلق الحب، هي نصف المجتمع لا بكل أكثر من نصفه، هي عنوان العطف وشجرة العطاء، برُقيها ترتقي الشعوب وبفكرها نخوص في بحور العلم والمعرفة.