شعار قسم مدونات

هدايا القدر

blogs - happy

يقول الدكتور إبراهيم الفقي في كتابه الثقة والاعتزاز بالنفس: (من أعظم هبات الله علينا أننا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل.) عبارة تلخص لغز سيرورة الكون، قد يظهر لنا أننا لو كنا نتوقع المستقبل سيكون الأمر جميلا ومسليا، فكم من الجميل أن تعرف أنك ستصبح مليونيرا يوما ما أو شخصية مرموقة! لكن ما أرعب أن تعرف أنك ستفقد إحدى أحبتك أو ستصاب بمرض ما! ..هناك أمور في هذا الكون من الأفضل أن تظل مبهمة وغامضة من الحكمة أن لا نعرفها ولا نبحث على معرفتها: نعيش في انتظار ما سيجود علينا به قدرنا .

الأمر شبيه بفيلم يبث لأول مرة على إحدى القنوات التلفازية فيكون في غاية التشويق تريد فقط معرفة ما الذي سيحدث، تتابع الأحداث بكل نباهة وحدقة حتى الوصلات الإشهارية رغم طولها مرة بعض مرة، تتابعها هي كذلك دون ملل أو ضجر لكي لا تفوت ولو ثانية من الفيلم؛ ماذا لو كان صديقك الذي يشاهد الفيلم رفقتك قد شاهده مسبقا في السينما، فيخبرك بأحداث الفيلم الأخيرة قبل وصولها؛ هل ستتابع الفيلم بنفس الطريقة السابقة؟ لا أظن ذلك، بل أكثر إن لم يعجبك تسلسل الأحداث قد تترك جهاز التحكم والتلفاز وتذهب… دون تكليف نفسك بالمشاهدة حتى النهاية. 

الحكمة الإلهية تقول أن القدر لا يعلمه إلا الله، وما أجملها حكمة فأن نعيش كل يوم بقدر مبهم وغامض هو ما يجعلنا نثابر ونجتهد ونحلم ونتحمل ونصبر كل ما يواجهنا دون قنط في انتظار المستقبل قريب كان أم بعيد.  سأستمر في تشبيه القدر بشريط سينمائي، ولتجربتي البسيطة في فن السيناريو، داخل هيكل كل فيلم لابد من وجود شخصيات وأحداث ثانوية لا تتخذ دورا مهما في سيرورة الفيلم لكنها تزيده جمالية ورونق .

لحظات نعيشها ونشعر فيها بأحاسيس استثنائية تجعل أجنحة الروح تنبسط وتتعالى لسابع سماء لينفتح الصدر للهواء البري الطلق، هواء نقي ينعش الأوردة ويقوي الوتن، أحاسيس جميلة تتصور في ابتسامة أو ضحكة، في أعذب الإشارات الانسانية

القدر ليس فقط ذلك الوحش المبهم الملامح والتفاصيل بل كذلك هو نويل الحياة يمنحنا هدايا مقدسة، هاته الهدايا تكون في صفة أشخاص، لحظات وأحاسيس ولما لا أشياء !  أشخاص يظهرون في حياتنا لفترات وجيزة لا نستمر معهم الى الأبد؛ لا يكونون لأنفسنا مستقرا، لكن يفلحون في إبهاجنا وجعلنا نحلق معهم تلك الهنيهة الزمنية التي نقضيها معهم، هؤلاء الأشخاص العابرين ليسوا من أقربائنا ولا أعدائنا هم نسمة طائرة تهب من السماء غفلة فتشيء الأقدار أن يختفوا فجأة، بعد فعلتهم الجميلة تلك بحياتنا؛ أشخاص يظهرون ويختفون في الوقت المناسب، قد يخلقون أو لا، الفرق في حياتنا لكن تظل أسمائهم ووجوههم منحوتة في الذاكرة. 

لحظات نعيشها ونشعر فيها بأحاسيس استثنائية تجعل أجنحة الروح تنبسط وتتعالى لسابع سماء لينفتح الصدر للهواء البري الطلق، هواء نقي ينعش الأوردة ويقوي الوتن، أحاسيس جميلة تتصور في ابتسامة أو ضحكة، في أعذب الإشارات الانسانية.  لحظات نتمنى لو تستمر مدى الحياة، لو يلغى قانون الزمن، لو يتوقف. فبقى تلك اللحظات أسطوانة حياتنا تدور وتدور على جهاز تشغيلها ونحن نستمتع بكل جوارحنا، وفقط .

ماذا عن الأشياء الباقية ؟ فستان زفاف في رف الدولاب العتيق، ألبوم الصور الذي يسرد حياة من صور متدرجة من الأبيض والاسود حتى آخر واحدة ملونة، لعبة مفضلة تلخص فترة عمرية معينة، رسالة محفوظة كلماتها قد تهدم أعظم الجبال.. أشياء أو بقايا أشياء لا تموت، تختصر الحياة والأشخاص والأحداث، أشياء صماء لكنها ماثلة وحاضرة وباقية.  هدايا القدر هاته لا نحتفظ بها في الرف العلوي أو تحت السرير بعيدا عن الغبار والأوساخ لا! تعيش معنا بصفة ذكريات، تفرض نفسها وقتما تشاء، وإن حضرت تنحسر كل الأفكار، تقف كل الطرق فتشعل نارا متعاظمة على أعتاب شراييننا حيث لا أرض صلبة تحت نعالنا ولا قبة زرقاء فوق هاماتنا.

أين نحن ؟ إنها الذاكرة وعبقريتها: حيث لا يمكن أن نقول للزمان ارجع يا زمان! لكونها صعبة الإرضاء ومستحيلة النسيان، مزاجيتها مصابة بالتقلب الجوزائي، لا شيء يرضيها للتزحلق عبر وديانها سوى ذلك الثبات المتحرك، قوية قد توقظ كل البراكين الخامدة وتزعزع كل البؤر الزلزالية الساكنة. في قلوبنا مصبها ومن قلوبنا الينبوع. إنها الخادعة الموهمة، جاسوس في شريان الإحساس بالحياة، الجاسوس الأدهى والأمكر على الاطلاق.  حيث البقاء للأجمل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.