نحو هدم بقعنا العمياء!

blogs - مرآة سيارة
تقول القصة التراثية أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم سر السعادة لدى أحكم رجل في العالم، مشى الفتى أربعين يوما، حتى وصل إلى قصر جميل أعلى قمة الجبل، وفيه يسكن الحكيم الذي يسعى إليه، وعندما وصل وجد في قصر الحكيم جمعا كبيرا من الناس.. انتظر الشاب ساعتين حتى يحين دوره، أنصت الحكيم بانتباه إلى الشاب ثم قال له: الوقت لا يتسع الآن، وطلب منه أن يقوم بجولة داخل القصر ويعود لمقابلته بعد ساعتين، وأضاف الحكيم وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها نقطتين من زيت: أمسك بهذه الملعقة في يدك طوال جولتك وحذار أن ينسكب منها الزيت.

أخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط مثبتا عينيه على الملعقة، ثم رجع لمقابلة الحكيم الذي سأله: هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام؟ الحديقة الجميلة؟ هل استوقفتك المجلدات العظيمة في مكتبتي؟ ارتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئا! فقد كان همه الأول ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة! فقال له الحكيم: ارجع وتعرّف على معالم القصر فإنه لا يمكنني أن أعطي سري لشخص لا يعرف البيت الذي أسكن فيه!

عاد الفتى يتجول في القصر منتبها إلى الروائع الفنية المعلقة على الجدران، شاهد الحديقة والزهور الجميلة، طالع الكتب، وعندما رجع إلى الحكيم قص عليه ما رأى بالتفصيل، فسأله الحكيم: ولكن أين قطرتا الزيت اللتان عهدت بهما إليك؟ نظر الفتى إلى الملعقة فلاحظ أنها انسكبت! فقال له الحكيم: تلك هي النصيحة التي سأسديها إليك، سر السعادة أن ترى روائع الدنيا وتستمتع بها دون أن تسكب أبدا قطرتي الزيت!

لم يعرف الحكيم أن هنالك من سينظر إلى الدنيا دون أن يسكب قطرات زيته، ولكن نظرته إلى الدنيا ستكون كتأدية فرض، ينظر لأنه مطلوب منه النظر دون أن يُدرك الجوهر الحقيقي للرؤية، وكلمة السر القاتلة هنا هي الاعتياد!

طبيعة الإنسان تجعله يركن دائما إلى الاختيار السهل، المنطقة الآمنة، الخلود إلى الراحة والبُعد عن التفكير، قد يكون هذا سببا لأهمية الأمر الإيماني بالتفكر.

يقول الكاتب إيتالو كالفينو في رائعته مدن لا مرئية: "نحن لا نستطيع تأمل ما تعودنا على رؤيته في داخلنا" يفقد الشيء معناه حين نعتاد عليه، تفقد الكلمات جوهرها حين نستخدمها بكثرة فقط لاعتيادنا عليها، تفقد الآيات روحها حين نرددها مرارا وتكرارا في كل صلاة دون أن نجبر أنفسنا على الغوص في سبرها، تفقد المشاعر صدقها حين تشيع! تفقد الشوارع والمباني طعمها حين تعتاد عيناك على رؤيتها، تفقد الحياة هدفها حين تعيشها لتعبرها وفقط، فتعتاد عليها دون أن تفكر في وجهتك! تفقد كل شيء إذا لم تدرك الفارق بين هؤلاء الأحياء وبين من هم فقط على قيد الحياة.

"نحن فقط نرى ما نود رؤيته، نسمع فقط ما نريد سمعه، إيماننا هو كنظام كالمراّة التي تُرينا فقط ما نؤمن به." دون ميجيل ريز.

طبيعة الإنسان تجعله يركن دائما إلى الاختيار السهل، المنطقة الآمنة، الخلود إلى الراحة والبُعد عن التفكير، قد يكون هذا سببا لأهمية الأمر الإيماني بالتفكر، كلنا نفكر ولكن الكثير منا يُفكر في "لا شيء"! وقد يكون الناجي من هذا كله هو الطفل الذي يسأل عن كل شيء، يبدأ في المعرفة بالنظر إلى الأشياء ومحاولة التعرف على كُنهها، ويبدأ موت الطفل عندما يشعر بأنه قد نضج وتعلم كل ما يريد معرفته فيتوقف عن السؤال، ويبدأ بالإيمان أن كل ما تعلمه في السابق هو من محض الصواب الذي لا شك فيه، مما يُميت فيه روح الإبداع والابتكار، هذا مما جعل بهمان جوبادي يقول حين وجد الطفل بداخله يُولد من جديد:

"لقد اعتدت على الإيمان بأن الشخص يُولد فقط مرة واحدة، ولكنني الآن أشعر بأنني وُلدت من جديد! كأنني وُهبت حياة جديدة". نعم إنها بلا شك حياة جديدة مختلفة كليا عما اعتدت عليه مُسبقا، فلتخبرني كم سؤالا سألت نفسك اليوم؟

"أنا لا أرى العالم أبيض وأسود تماما، ولكنني أفعل ذلك أحيانا". بينيتشو ديل تورو
أحيانا كثيرة نرى عالمنا أبيض وأسود دون أن نُدرك، فإن الألوان تُضفى إليه حين تُدرك معناه الكامن، فيما عدا ذلك فهو حيادي بعيد عن الجمال والأصالة.

البقعة العمياء هي منطقة خارج نطاق رؤيتنا، وكلما زادت لدى الشخص كلما زاد بُعده عن عالمه، فحياتك تُحدد بما تعرفه، وعندما يكون ما لا تعرفه كثير، تصبح غريبا عنه، المشكلة تكمن في عدم إدراك مدى بقعتك العمياء، وبداية معرفة الشخص أن يبحث عن بقعته الخاصة، ويحاول هدمهما، ومع كل جدار ينكسر، مع كل قائم ينهدم، تنفتح أمامك آفاق جديدة تجعل منك شخصا آخر غير الذي اعتدت عليه، ترى نفس الأشياء بعين جديدة، تشعر بأحاسيس مختلفة لا يُمكنها أن تُكتب لأنك أنت فقط الشخص الوحيد القادر على وعيها.