نحن مع فلسطين.. ظالمة أو مظلومة

مدونات، فلسطين

 ما إن انطلقت صافرة النهاية وتم اعلان منتخب الجزائر متأهلا الى كأس العالم لكرة القدم حتى فاضت الشوارع بالناس وكأنهم سقطوا من السماء، أمواج بشرية يملأ عيونها الفرح في حالة جديدة على الجميع. خرجت مع المحتفلين واعتليت سورا قصيرا كي أحصل على اطلالة أشمل على الشارع الممتلئ عن آخره. في وسط هذا المد البشري لمحت شابا لا يستر جسمه إلا سروال جينز، منكوش الشعر منتفخ الأوداج يتصبب عرقا وهو يركض بين الناس حاملا بيده علما كبيرا لفلسطين.

شق الصفوف حتى وصل الى عمود إنارة فتسلقه حتى جلس على قمته ورفع العلم عاليا وانطلق يغني: "فلسطين.. فلسطين.. فلسطين الشهداء.. فلسطين الشهداء.. فلسطين" رويدا رويدا بدأ الناس يشاركونه الغناء حتى صار الشارع كله يهدر بنفس الهتاف، كان الجمع يغنون بملأ حناجرهم والعديد منهم يقفز على الاسفلت بشكل يجعلك تحس بالاهتزاز في كل جسدك، لم أرى شيئا مماثلا في حياتي وغمرني شعور غريب، فرحة عارمة يخالطها رغبة في البكاء.

اليوم تحول المجتمع الجزائري إلى ما يشبه البحيرة الراكدة، لا تكاد تسمع له صوتا أو رأيا واضحا في أي شيء على الاطلاق، لقد انكمش على نفسه وتقوقع كأنه ما عاد يعنيه أي أمر، على الأقل هذا ما يبدو عليه عند النظر من بعيد

كان السؤال ملحا يدور في رأسي: "ما الذي جلب ذكر فلسطين في مناسبة من المفروض أنها مجرد احتفال بانتصار كروي؟ لم هذا الشعور بأن شيئا مدفونا في قلوب الناس قد وجد متنفسا للظهور من جديد؟ تذكرت هذه الحادثة مؤخرا حين تجادلت مع أحد الاخوة الفلسطينيين حول حقيقة هذا الحب الذي يدعيه الجزائريون نحوهم، لقد حفظنا شعارا أطلقه أحد رؤسائنا الراحلين وظللنا نقول منذ ما يفوق نصف قرن: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

ما جدوى هذه المشاعر التي لا تعدو أن تكون كلاما ندغدغ به عواطف بعضنا البعض بينما نتخلف عن تقديم المساعدة الحقيقية في ظل الوضع الذي يزداد سوءا يوما بعد يوم لأبناء فلسطين في أراضيها المحتلة أو في الشتات. وجهة نظر لا أستطيع إنكارها والشعور بالخجل من هذا الخذلان يبث في النفس مرارة لا يمكن اخفاؤها على أي حال.

اليوم تحول المجتمع الجزائري إلى ما يشبه البحيرة الراكدة، لا تكاد تسمع له صوتا أو رأيا واضحا في أي شيء على الاطلاق، لقد انكمش على نفسه وتقوقع كأنه ما عاد يعنيه أي أمر، على الأقل هذا ما يبدو عليه عند النظر من بعيد، القضية الفلسطينية خرجت من دائرة الضوء وأصبحت حدثا موسميا يطفو على السطح بخجل عندما تندلع الحرب في قطاع غزة على قنوات الاعلام المحلية، كل ما تراه هو الحزن المشوب بالشفقة وكثير من العجز في صورة دعوة خافتة من قبيل " الله ينصرهم"، حتى الوعي الكافي بمسار القضية ليس موجودا عند الكثيرين، عدد لا بأس به لا يعرف شيئا عن الاستيطان في الضفة وجدار الفصل وتهويد القدس وحصار غزة ومعاناة الفلسطينيين من عرب الداخل.

المنظومة التربوية والتعليمية لا يهمهما الموضوع، فكل ما أذكره من دراستي هو فصل يتيم في برنامج السنة النهائية من الثانوية عن القضية الفلسطينية، وعادة ما يتخطاه الأساتذة بحجة أن الوقت غير كافي أو أنه ليس مهما بما أنه لن يكون جزءا من امتحان شهادة البكالوريا. في المساجد يبدو الأمر مشابها، ففي آخر الخطبة يقول الامام "اللهم انصر إخواننا في فلسطين والصومال وربما يذكر البوسنة على سبيل الاحتياط فهو لا يعلم حقا ما الذي يحدث هناك في الخارج بالضبط، حالة شديدة البؤس من اللامبالاة والانسحاب تجعلك تتساءل ما الذي حدث؟
 
بالعودة للوراء ليس صعبا إيجاد روابط تاريخية وثقافية تجمع بين الشعبين، شارك الجزائريون إخوانهم من باقي المغرب الإسلامي الجهاد في بيت المقدس ولبوا نداء الناصر صلاح الدين لتحرير القدس من حكم الصليبيين، ولا يزال المجاهد والفقيه الزاهد أبي مدين شعيب مقسوم الجسد بين فلسطين والجزائر، فيده المقطوعة في إحدى معارك التحرير دفنت في مقبرة في القدس بينما دفن باقي جسده في مدينة تلمسان التي أكمل فيها باقي حياته.

حتى بعدما أتم الزمن دورته بعد قرون وخضع الجزائريون لنار الاحتلال فقاوموه حتى تحررت بلادهم، عادوا من جديد للمشاركة في بذل الجهد للقضية على المستوى الشعبي. أحد الأمثلة البارزة على المشاركة في الصراع هو المناضل والمسرحي البارع والمقاتل الشجاع "محمد بودية"، رفيق المناضلين كارلوس والأمير الأحمر علي حسن سلامة، حيث انتسب الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكان قائد عملياتها في أوربا وأحد المشاركين في عملية أولمبياد ميونخ، مما جعله على قائمة اغتيال الموساد الذي لغم سيارته ليقضي شهيدا في أحد شوارع باريس سنة 1973.

في رأيي فان المكبوت في قلوب الناس عكس ما يبدو عليه الأمر اليوم من ركود، اللاوعي الجماعي للمجتمع يحمل في طياته الكثير من الارتباط والتعلق بأرض المقدس وأهلها

على المستوى الاجتماعي والنفسي يملك الجزائريون حساسية بارزة تجاه اليهود، ففي سنوات الاستعمار وقفت الجالية اليهودية بالغالب مع الاستعمار متنكرة للمجتمع الذي عاشت في حضنه سنوات عديدة ومسخرة مواردها لمساعدة السلطة الفرنسية ضد المسلمين، مما ولد ضدها كرها شديدا نتج عنه طردها بشكل شبه كامل بعد الاستقلال، أتذكر بوضوح العبارة التي كانت تستخدمها جدتي رحمها الله ومعظم كبار السن بالقول "اليهودي حاشاك". تعبير ينم عن كثير الاحتقار والكره لليهود بالمطلق والذي وإن بدى عنصرية تجاههم إلى أن لها ما يبررها في الذاكرة الجماعية لمن عايش تلك السنوات.

كما أن الصبغة العسكرية للكفاح الذي خاضته الجزائر للتحرر وما نتج عنه من عدد هائل من الشهداء والضحايا وقمع وحشي عنيف من الجانب الفرنسي بشكل يميزه عن باقي التجارب التحررية العربية التي غلب عليها النضال السياسي يجعل الجزائري يتعاطف مع أخيه الفلسطيني الذي يعيش نفس الظروف ويخضع لكم مشابه من القهر والظلم.

في رأيي فان المكبوت في قلوب الناس عكس ما يبدو عليه الأمر اليوم من ركود، اللاوعي الجماعي للمجتمع يحمل في طياته الكثير من الارتباط والتعلق بأرض المقدس وأهلها، والحادثة التي ذكرتها في أول المقال ليست يتيمة فقد شهدت في حياتي القصيرة دلائل كثيرة على هذا الحب الخام، أذكر أحد النشاطات الطلابية لدعم القضية الفلسطينية التي تخللها جمع تبرعات، طبعا لا يعدو الأمر أن يكون رمزيا فلا يمكنك توقع الكثير من بضع طلبة كل ما يملكونه هو دنانير يطلبونها من أوليائهم، لكن رد فعل المشاركين كان ملفتا، تسابقوا للتبرع بكل ما يملكون حرفيا، أفرغوا جيوبهم كاملة وتبرعوا بهواتفهم وساعاتهم والفتيات منهن بأقراطهن وحليهن على قلتها.

موقف آخر شهدته كان يوم عبرت قافلة أميال من الابتسامات الحدود الجزائرية المغربية -وقد فتحت استثناء للمرة الأولى اكراما لضيوف فلسطين العابرين بالبلد- فاستقبلها الناس بالورود والزغاريد والدموع حتى أن بعضهم بقي يلاحق القافلة جريا لمسافة طويلة ويمطرها بالدعوات والابتهالات وكأن الركب يسير إلى أرض الأحبة وهو يتمنى مرافقتهم.

هذه المشاعر والأفعال الرمزية التي تطفو على السطح كلما سنحت لها الفرصة يجب استغلالها في عمل مؤسساتي منظم، على المهتمين بالقضية -فلسطينيين وجزائريين- بذل جهد أكبر لاستثمار هذه الطاقة البشرية الكامنة وتوجيهها لخطوات أكثر فاعلية خصوصا أن قضية فلسطين تنزاح نحو الهامش شيئا فشيئا في وقت هي أحوج ما تكون لجهود كل الأحرار والمخلصين في هذا العالم.