شعار قسم مدونات

معطف الحب

blogs- الحب

ربما عند رؤيتك للعنوان قد يخيل لك أنها قصة خيالية عن معطف كل من يلبسه يغمره ذلك الإحساس الجميل الذي يشعرك كأنك لامست الكمال في حدود النقصان البشري، أو عن شخصين كانت قصة حبهما لبعضهما البعض تتمحور حول معطف ما، كان سببا لالتقاء أقدارهم لتتحول فيما بعد لقدر واحد لروح واحدة في جسدين مختلفين…

 

الأمر أبعد من ذلك، المعطف هنا يمثل مفهوم، فلكل منا معطف حب صنعه على المقاس الذي يتمنى أن يكون عليه الحبيب، ولكل منا مهاراته ومواهبه التي تمكنه من صنع معطف على ذوقه. مثلا قد تجد من يتفنن في خياطة معطفه فيختار أحد أفضل أنواع الخيط كخيط المودة والرحمة، ثم يأخذ أجود الأثواب وأكثرها دفئا كثوب الحنان، ليقصه ويفصله طبقا لمعايير الحياء التي يؤمن بها ثم ينتقل فيما بعد لمرحلة الخياطة الجانبية فيختار شريط ثوب طاعة الله الحريري ليؤطر به المعطف، لينتهي به الأمر في مرحلة التزيين فينتقي بعض الرومنسية والفكاهة كأجمل ما عنده ليزين به المعطف، تجده كلما أضاف شيئا جديد اهتز نبض قلبه أملا أن يعثر على من يعجبها ويلائمها معطفه فتبادله هي الأخرى بمعطفها الذي صنعته عسى أن يلائمه.

 

لكل منا طريقته، ولكل منا ذوقه في صنع معطفه، وبالتالي تتعدد الصيحات وتتعدد الموديلات بتعدد المبادئ والأيديولوجيات والمعتقدات والانتماءات دون أن ننسى خصوصيات المكان والزمان اللذان يؤطران المجال الذي نعيش فيه.. قد تجد منا من يحمل معطفه بعناية ليخرج لشوارع دنيانا الباردة لعله يجد من تبادله معطفها ليلتمس منه دفئا يحول بينه وبين برودة الحياة فيكملا المسير معا، كما قد تجد من اتخذ من الأنانية عنوانا لمسيرته في هذه الحياة، وعوض أن يصنع معطفا صنع طوقا كالذي نصنعه للحيوانات الأليفة فهو لا يكترث للآخر إن سألته أجاب بكلام كثير مليء بالمبررات التافهة والواهية خلاصته "أنا أنا ومن بعدي الطوفان"…

 

كم هو جميل ورائع أن نرى روحين التقيا فلائم كل منهما معطف الآخر فألبسا بعضهما البعض وتشاركا بقية الدرب في دنيانا الباردة، ليدخلا مرحلة جديدة حيث يصبح واجب على كل واحد منهما أن يواكب رغبات الآخر

مثلما تطور اقتصاد أسواقنا فقد تطورت وتغيرت بعض مبادئنا وأيديولوجياتنا وطريقة رؤيتنا للأشياء، الشيء الذي انعكس على معاطف حبنا، وعليه قد ترى منا من يعتقد أن بماله قد يشتري كل شيء أو العكس قد يبيع كل شيء فقط من أجل المال، وبالتالي أصبحنا نسمع بين الفينة وأخرى من يقول "كم ثمنه؟"، إن دل هذا التساؤل عن شيء فهو يدل عن كيف أن السائل قد أفرغ القيم من معانيها فأصبح لديه ثمن لمعاني لا تقدر بثمن، فهو لا يكترث بما سيبادلك قد يكون معطفا رديء الجودة أو بالأحرى مجرد طوق للأنانية. كما قد تجد العكس من يحمل معطفه وينادي "بثمنه" ولا يكترث لما سيأخذ بالمقابل… 

كم هو جميل ورائع أن نرى روحين التقيا فلائم كل منهما معطف الآخر فألبسا بعضهما البعض وتشاركا بقية الدرب في دنيانا الباردة، ليدخلا مرحلة جديدة سأدعوها مرحلة الإضافات أو التعديلات حيث يصبح واجب على كل واحد منهما أن يواكب رغبات الآخر فلابد من التضحيات بالطبع، فترى أحدهما من أجل الحبيب يقطع هنا ويخيط هناك ويزين هنا… المهم أن يكون من يلبس المعطف راض … مع مرور الوقت يصل إلى مرحلة قد يجد فيها أن معطفه قد اختلف تماما عن المعطف الذي صنعه أول مرة، بشكل أسوء أو أحسن تلك خياراتهم وسيتحملون تبعاتها. لكن السيء الحدوث هو في منتصف الطريق يقول لك الحبيب نحن لا نلائم بعضنا البعض خد معطفك … تجد نفسك وحيدا من جديد تحمل معطفك المعدل والمتسخ، تائه لا تدري ما الذي يجب فعله، هل ستحمل معطفك وتعيد خياطته بشكل أجمل ثم تستأنف البحث أم أنك ستدعه كما هو ليتحمل كل من يلبسه أخطاء من سبقه أم أنك ستستسلم تماما وتكتفي بمشيك لبقية الدرب وحدك تقنع نفسك عبثا بأن هذه هي الطريقة الأمثل في الحياة …

الرسالة التي لا أخص بها جنسا دون الأخر وأريد أن أوصلها هي:

(1) ألا نقنط من رحمة الله وألا نفقد الأمل في قيمنا وقيم الأخرين، لأنه إذا فقدنا الأمل، سنخضع لبرودة الدنيا وبدون أن نشعر سنتحول إلى كائنات أنانية نعزف على أوتار مبررات مختلفة لكننا نغني أغنية واحدة بصوت واحد "أنا أنا ومن بعدي الطوفان".

 

(2) إن صادفت وأعْطَيتَ أغلى ما تملك "معطف حبك" وفي مرحلة ما رُدَ إليك، لا تتحول إلى صمغ محاولا أن تجبر الأخر على البقاء معك، فقط دعه، واعلم أن من يستطيع الذهاب ليس مقدرا لك أصلا وتذكر قوله تعالى " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا " فمن هو مقدر لك فهو لك ومن ليس مقدرا لك فهو ليس لك خد الأمر ببساطة وتخيل نفسك كأنك مددت يدك على تمرة لم تنضج بعد أو مددت يدك على ما هو ليس لك أصلا، خد معطفك و أعد خياطته من جديد كأنه لم يلبس قط واستأنف بحثك من جديد عن الشخص المناسب.

 

(3) إن كنت ممن اختاروا المشي وحيدا فتلك حريتك، لكن يجب أن تعي بأنك لست أنت من اخترت، خوفك هو من اختار لك، ربما ليحميك، لكن ألق فقط نظرة بسيطة على من سبقوك في هذا الدرب، لا أحد منا يريد أن يعيش سنواته الأخيرة وحيدا لا يجد بجانبه روحا يسكن إليها أو أطفالا يرى فيهم كل ما لم يستطيع أن يراه في نفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.