شعار قسم مدونات

مُصيبة الموتُ وما يتبعُها

BLOGS - حزن

عندما يُفقدُك الموتُ حبيبا يُشاركك حياتك بأدق تفاصيلها.. في كل موقفٍ تجد له ذكرى ورأى.. ربما بالاتفاق معك أو مُخالفتك.. ولكنه كان معك تنعمُ بقربه وتأنسُ بصُحبته وترتمى على صدره إن ضاقت بك الدنيا، فهنا سيتقاذفُك الألمُ من كل جانب.. أقساهُما في بداية الجُرح.. عندها ستجد سيلاً من الذكريات يتدفق عليك من حيثُ لا تدري، ستجد صورته دوما حاضرة.. ستتقفى طيفه وتراه جالسا في مكانه الذي اعتاد، بل ربما تسمع صوته كأنه عاد من جديد! ولكنه لم يعُد.. فتذهب نفسُك عليه حسرات. 

ومع مرور الوقت سيقل الفيض، وتبهت الصورة ويبقى الجُرح غائرا في قلبك تداويه بالدعاء وإقناع نفسك بأنه الآن أفضل ويملك من الراحة والنعيم مالا تملكُه أنت! بين الحين والآخر تجد الذكرى جَدُ حيّة، تتفقد ما حولك تجده أصبح باردا، الصورة تبهت أكثر فأكثر، تتخبط كالذي مَسَّه الشيطان، جُرحك غائرٌ يزاد ألمُه.. تتفقد أي شخص كان بينه وبين مفقودك صلةٌ أو قرابة.. تريد أن تطمئن أنه كان هُنا وأن ما كان لم يكُن هباءً منثورا، ربما يدفعك ذلك لإعادة وصلٍ قد انقطع! وحدها اللهفة يا عزيزي تدفعُك لمِثل هذا..

يقول دويستوفسكي: (في أوقاتٍ تكون الذكرى جدُ حية، إلى درجة أن نكون مُتعطشين لرؤية شاهد واحد من أولئك الذين كانت لهم علاقة بالماضي القريب، فنجرى لنرتمي في أحضانه سواء في الليل أو في النهار، حتى ولو جازفنا بإيقاظه في الثالثة صباحا) وستأتيك أوقاتُ الاستكانة وتستسلم لما قُدِّر عليك، تُرسلُ الدعواتِ تترى آملاً في الربِّ العلىّ أن يُهدِأ قلبَك ويُحسن استقبال مفقودك فهو الكريمُ الرحيم. وربما تحدوك الرغبة في استماع صوته، صوتهِ فقط يا رب! ولكنك تعلم أن الخط مقطوع فتتدارك نفسك ساخطا على التكنولوجيا العاجزة عن إتمام اتصالٍ كهذا لتُطمئنه عليك وتطمئن.. فقط لتطمئن! 

الحزن شعورٌ مُقدس، كلحظات الصدمة الأولى ينبغي ألا تُروى هي أشياءٌ تُدفن في ذهنك يُؤلمك تِذكارُها ولكن البوح يُفقدها البريق.. تبهت. البوحُ يبخس رجفة القلبِ وتحجر الدموع في المُقل، التفاتة العينين، رعشة اليدين في محاولة التماسك

هنا.. تتجلى قسوةُ الموت فهي ليست في حينه، وإنما فيما يليه، خشية أن يذهب كل شيء في طي النسيان.. تلك الحسرة التي تُفسد عليك كل شيء .

ولكن مشكلتي ليست مع الموت فرُبما قريبا سيعُم الهدوء وتنقشع الظُلمة وتزول تلك الرعشة الخفيّة بأخذه حبيبا مِنا! سنُدرك حينها كم كان يرقُبنا من طرفٍ خَفِيّ هامسا بدنُو الأجل، ولكن فيما يخلُفه وراءَه من آلامٍ وكَدر، وكشفٍ للنفوس وما بها من عِلل، فبعضُنا يُصاب في أحب الناس إليه، فيصير نادباً في كل وقت.. يبكي دوما ويُبكى من حوله وبكثرة حديثه يبهتُ ألمه ويُفقد حزنه قدسيته.

فالحزن شعورٌ مُقدس، كلحظات الصدمة الأولى ينبغي ألا تُروى هي أشياءٌ تُدفن في ذهنك يُؤلمك تِذكارُها ولكن البوح يُفقدها البريق.. تبهت. البوحُ يبخس رجفة القلبِ وتحجر الدموع في المُقل، التفاتة العينين، رعشة اليدين في محاولة التماسك، الركض بعقلك هُنا وهناك.. هل إلى نفىٍ من سبيل؟ لا.  كلُ هذا يتيه بين الأحرفِ ولا تصوغه كلمات.. يُبخس ويُهدر حقه. فلا تبخسوا القلوبَ أشياءها.. ولا تُفقدوا الحزن هيبته وما أُرسل به إلينا ليصنعنا.. 

فإذا فقدت حبيبا فأعلم أن مُصابك ابتلاءٌ من الله، وأنك ستتألم وسيأخذ الحزن من قلبِك مكاناً فلا تتبرم وأعلم أن الحزن ضروري كما الفرْح والسرور.. لا تكتمل الحياة إلا به، فإن أحسنا استقباله أثابنا قوة لا تنفك من قلوبنا أبدا ما حيينا.. فقط أحسِن استقباله و "بشِّر الصابرين".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.