مابين ثنايا غربتنا .. وما أدراك ما غربتنا؟!

مدونات، الغربة

كانت إحدى المفارقات اللطيفة عقب خروجي من السجن في أوائل يناير 2015 حين التقيت بأعز أصدقائي في بلدٍ آخري عقب الخروج من مطار القاهرة بل كانت لحظةً سعيدة حينما التقيت معظم أصدقائي خارج البلاد وأنا في السادسة عشر من عمري وهم كذلك وأذهلتني حينها وجوهوهم المملؤة بالتجاعيد وعلامات الإرهاق والسواد الحالك في جفونهم فسألت أحدهم هل تعمل يا صديقي؟ فأجاب لا فظللت أبحــــث عن سبب لما هم فيه حتي مررت به.

كنت سعيدا حقا بخروجي من البلاد الظالم أهلها حيث لا سجن ولا ظلم ولا شئ سوي الحياة الرغدة التي تنتظرني لاستكمال دراستي وخوض تجربتي التي سرعان ما بدأت وكأنما التشرد كان مكسباً لا بد أن أدفع ثمنه الباهظ حقا التشرد كان مكسباً أفضل كثيراً من السجون وما بينها من حكايا.

قلوبنا التي تكويها الهموم من شدة آلم الفراق الذي كان رغماً عنا لأنه كان الحلُ الوحيد الذي سرنا نحوه بسرعة فتركنا خلفنا أهلنا وأصدقائنا ومنزلنا وكل ما كان في حياتنا من رغدٍ غير مأسوف علينا فهم يقولون أن الفراق هو القاتلُ الصّامت، والقاهرُ الميت، والجرحُ الّذي لا يبرأ، والدّاءُ الحامل لدوائه.

نحنُ لم نشتاق للوطن الذي ظلمنا واضطهدنا وذلنا نحن فقط اشتقنا إلي أهالينا إلي لملمة شتات عائلتنا والرجوع إلي أحضانها والحياةِ بينهم كما كنا من قبل فاللحظات التي تمر علينا هنا أو هناك لم تكن باليسيرةِ حينما أتركُ الدنيا كلها باحثاً عما يكفي طعامي أو بعضا مما يسد الجوع لم تكن لطيفة تلك اللحظات التي لم يكن معنا فيها ثمن الغطاء الباهظ في شدة البرد لم تكن لطيفة تلك اللحظات التي لم نجد فيها مآوي ولا مأكل ولا شيء مما يحتاجه الإنسان للحياة وفقط.

شارعُنا الجميل وزينةُ رمضان التي كنت أشتريها أنا وأصدقائي وما أدراك ما رمضان في وسط أصدقائي وعائلتي لو سألتني لقلت لك أنه بدونهم مر ككل الشهور والفرق فيه كان صيامنا والأكل في المطاعم أو الموائد. رمضان الذي كان يعقبه العيد وفرحته وانتظاره وتجمع الأحباب والسفر للمصايف أو لأي مكان به نزهة العيد ففي غربتنا كان الوضع مختلفا تماما حينما جلست لتأمل وجهي كالأغراب كأني لا أعرف من أنا خلف أبواب تلك المكان الغريب الذي لم أتمنى يوماً أن أكون فيه. ظلم ذوي القربي بالطبع هو أشدُ مرارة على النفس فشعورك بظلم كل من هو قريب منك يقع عليك كما الصاعقة وما أكثر هؤلاء.

ما يؤلم حقاً هو فراق الأحبة الجدد فكل يوم يرحل عنا صديق أو أخ كبير أو واحدا ممن كانوا لنا كأباء، صرنا نكره المطارات والسفر ومع ذلك نحبهم في شعور متناقض تماما الهروب من الظلم والحنين للأهل والأحباب

تبدو تلك الحياة لنا أنها ستستمر طوال وجودنا على هذه الأرض عندما يحن الإنسان لمكان ما لا يستطيع أن يعود له لأي سبب إن كان، أحيانا تحن قلوبنا للعودة للأرض والأماكن وأحيانا آخري نشكُر الغربة فالغربة كما كانت قاسيةً جداً على كل واحد فينا علمتنا كثيراً، اعتمدنا على أنفسنا وتعلمنا الكثير مما لم نتعلمه في بلادنا من ثقافاتٍ جديدة واتساع لمداركنا، تعرفنا على أصدقاءٍ وهم بالطبع كنوز كبيرة وكما قال الإمام الشافعي :

غَرَّبْ عَن لأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلُى …… وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ …… وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد


في العام الأول فهمت تماما أن رايي قابل للتغيير، تعلمت أن أستمتع كثير وكثيرا بكل ما هو حولي وإن كان سيئاً، أتقنت معاني الوحدة وتشبعت بآلام الفراق، أدركت نعمة الصديق الصالح، خسرت كثيرا وكثيرا لكن أصبح لي شغف وعمل وأضفت إلي ثقافتي الكثير، أدركت أني إنسان لا بد أن يغير في هذا الكون شيئا خاطئا، أدركت أن الله عادلا لا يظلم كما أخذ أعطي، عرفت الكثير والكثير.

لكن ما يؤلم حقاً هو فراق الأحبة الجدد فكل يوم يرحل عنا صديق أو أخ كبير أو واحدا ممن كانوا لنا كأباء، صرنا نكره المطارات والسفر ومع ذلك نحبهم في شعور متناقض تماما الهروب من الظلم والحنين للأهل والأحباب، ما أستطيع أن أختم به هو أننا مررنا بكل التناقضات الشعورية والفكرية، انتقلنا كثيرا وكبرنا كثيرا عن السن المفترض لكن من المؤكد أنها مرحلة فارقة في دنيانا التي خلقنا فيها في كبد