ليتني لم أنجبه

blogs - خان شيخون2
يداهُ النحيلتان، المتيبستان، المشرعتان إلى السماء، بقيتا مرفوعتان هكذا، ويكأنه يشتكي إلى الله لهونا حينما صرخَ على والديه فلم يُلبيا نداءه لأن الموت زارهما، أوصمتنا عن لهيبِ النار الذي صُوّب نحوه فمد كفيه للأعلى، علّه يمنع الموت عن نفسه، أو لربما عرِف أن العالم بأسره أظلم من أنْ يفكر به لحظة، فنادى ربه أني مغلوبٌ فانتصر. تلكَ الزهور التي ذبلت قبل أن يزورها ربيع الحياة، كانتْ ثمرة الحب لآلافٍ من الأزواج الذين أرّقهم طول الانتظار، وأنهكتهم السنوات، كي تُقر عيونهم بابتساماتهم، ومشاكساتهم، ونداءهم "بابا" و"ماما"، لكنّ لعنة الطغاة سلبتْ أرواحهم وأقامتْ عليهم موتاً قبل الحياة.

 

تقفز أرواحهم خوفاً وذعراً، يلتصقون بأبيهم، يتوسلون ألا يبتعد عنهم، حتى إذا ما مدّ الرحيل مخالبه، يخطفهم جميعاً دون استثناء، وقد كانت أمانيهّم أن يعيشوا سوياً أو يموتوا معاً.

كلُ تلك السعادة، باتت خريفاً أبدياً، لا النبضُ فيه يحيا ولا الحُب يجد فيه سبيلاً، فكل الطرق منه لا تؤدي إلاّ إلى مزيد من الوجع يسلب الفؤاد، فتلك الفتاة التي أشرقتْ يوم إنجاب طفلها، وملكتْ نعيم الدنيا، يأكلها الندم وتتمنى أن لو لم يأتِ على الدنيا. سعادةٌ ليتها لم تزرها منذ البداية، لا اعتراض على ما قسمه الله، لكنها لو كانت تعلم أن الموت سيَصلبه في الطرقات، وسيحبس أنفاسه، ويُقطع أطرافه، لذرفت دماً ولما فتئت تُردد " ليتكَ لم تأتِ، وليتَ رحمي لم ينجبك"، ثم تستكينُ إلى رحمة الله التي أخذته من أن يغرق في هذا العذابِ أكثر!

 

أيُّ ألمٍ أعظم من أن ترى فلذة كبدك يستصرخك أن تُخبأه من هذا الكابوس، أن تجلبَ له أمناً، وأنتَ المسلوب من كل شيء سوى الوجع، تتمزق ألف مرة وترتجي الله أن لو مت قبل هذا الطلب أو كنتَ نسياً منسياً. وأي قلبٍ يحتملُ رؤية قرة عينه ممدٌ على شواطئ الهجرة، معبأٌ بماء الخذلان، سُلبت روحه عندما هرب من جحيم القصف والدمار، فتلقفه الموت بشهوةٍ أكبر، جثةٌ مغموسةٌ بالتراب، تشوهت معالمها، ولم يعد ذاكَ الذي انتظرته أمه طويلاً، فالبحر قد ابتلع حلمها وقذف في روحها نزيفاً لا يبرأ.

 

وأي صبرٍ يبقى في القلب وهو يركض حاملاً طفله الرضيع، ومن خلفه الصغار، يتعثر بعضهم والآخر يصرخ مرارة، يلجأون تحتَ الركام مرة، وفي العراء تارة أخرى، علّ هذا الموضع أبعدُ للموت من ذاك، وأيُ بعدٍ سينأى عن موتٍ كالطوفان، تقفز أرواحهم خوفاً وذعراً، يلتصقون بأبيهم، يتوسلون ألا يبتعد عنهم، حتى إذا ما مدّ الرحيل مخالبه، يخطفهم جميعاً دون استثناء، وقد كانت أمانيهّم أن يعيشوا سوياً أو يموتوا معاً. وأي جحيمٍ ذاك الذي يجعل الموت أفواجاً أسمى أمانيّ الأطفال، وأيُّ عذابٍ ذاك الذي يخشاه الصغار من البقاء على قيد الحياة، وأي حنظلٍ ملأ لحظاتهم، حينها لا يراود أباهم غير أمرٍ واحد أنه المذنب في ذلك وتتلاطم به أمواج الندم " أن لو لم يأتِ بهم إلى الحياة".

 

آه على فجع القلب لأمٍ تشاهد وليدها يُذبح أمامها بسكينٍ ملعون، ويُنكّل بجسده الغض، يتفنن المتوحشون في رسم علامات الحقد على صدره، فإما أن يتركوه مشوهاً أو يدعوه جسداً من غير رأس، ما الذي يدفعها للبقاء من بعد ذلك، وما الذي يمنع الجنون من استيطان ما تبقى لها من عمر، لا شيء سوى صبرٍ منزّلٍ منِ السماء!

 

لا شيء أشنع من أن تصبح أوطان العرب صاخبةً بالموت تحصدُ كلَ معلمِ فيه حياة، تثير شهيتك باستمرار للرحيل، تفتح عيناك فترتجي العمى على أن تُبصر ما يحدث من حولك

ما أقسى أن تتمنى على رحمك العقم وهو بنك السعادة لآخرين على وجه الأرض، ما أسوأ أن تعيش مسلسل الموت بين أحبائك، تبقى عالقاً في انتظار من يختاره الموت لهذا اليوم، وتتمنى أن لو يمرُ بكَ لترتاح من هذا الحِساب والعقاب، ويمضي بك الوقت، فلا أنتَ عشت ولا أنتْ متْ، هكذا علقت بينهما، الكل يسحبك نحوه، وأنتَ تُجلد تحت سياطهما!

 

كلّما نقلت نظري بين جموع تلك الصور التي تنساب من دول العالم المظلومة، المكلومة، أتجرع الألم، ويقضم ساعاتي الوجع، أتخيل لو أن لي طفلاً هناك، لتمنيتُ كما تمنت الأمهات "أن ليتَ رحمي لم ينجبه". لِمَ أجبره على أن يتذوق تفاصيل العذاب وهو الذي لم يشبع إلا من الخوف والقتل ورائحة الدماء مذ دبّ هواء الحرب رئتيه؟ أأتحمل إثمَ وجوده أم إثم الموت الذي يغرق به كل لحظة؟!، إنه وجع الضمير الذي يسلب عافيتك المنهكة، ويجلدك صبحاً ومساء.

 

لا شيء أشنع من أن تصبح أوطان العرب صاخبةً بالموت تحصدُ كلَ معلمِ فيه حياة، تثير شهيتك باستمرار للرحيل، تفتح عيناك فترتجي العمى على أن تُبصر ما يحدث من حولك، تتمنى أنّ لو يحل الله عليك برحماته ويفتقدك إلى جواره دون هذا العذاب، طغيانٌ لم تعد تعرف ما هيئتك فيه، أإنسانٌ حي، أم ميت مع وقف التنفيذ!