شعار قسم مدونات

لو نختلف

تكامل

الاختلاف في الرأي فطرة بين البشر قديمة قدم الدهر وتقوم على التعارض مثلما تقوم على تعدد الآراء وقضت مشيئة الله تعالى أن خلق النّاس بعقول ومدارك متباينة فلم نخلق لنكون أصحاب القدرات الواحدة والنمطيّة الواحدة بل كل شخص فينا له فروقات فرديّة وكل ضدين مختلفين وليس كل مختلفين ضدين؛ لكن الضيق بالنقد وصل إلى حجم لم يعد بإمكاننا معالجته وغالبا ما نحتمي بعبارة مع أم ضد لنضع لأنفسنا وقائع أملاها الهوى تتذبذب بين القوة والضعف فنميل إلى أحد الفريقين أو بدونه. فلماذا ندع صوت المعارضة والتّفكر والاختلاف يختفي من حياتنا؟ وهل هذا الاختلاف يقدم لنا السعادة أم الشقاء؟

لا بد لنا من مناقشة أنفسنا قبل مناقشة الغير ويجب علينا أن نحد من الفوضى التّي نُحْدثها عندما نطرح على أنفسنا السؤال عما إذا كان الطرف المقابل معنا أم ضدنا ولا بد أن نعي أن الاختلاف لا يخضع لأي تنظيم أو تشذيب إجباري؛ فليس في وسعنا كبت أو إقرار رأي مخالف كما ليس من شأن قرارنا العقلاني أن نجد أحدهم خفيف الظل وأخر ثقيله وحبذا لو قام الاختلاف على مبدأ الأخذ والعطاء لأن الأزمة تظهر عندما لا يعود بإمكان أحدنا أن يعطي ويتقبل من الأخر.

قد نلاحظ أننا نمر في حياتنا بمواقف وصراعات إما نهرب من أمامها ونكظم غيظنا وإما الابتعاد عن الهروب المألوف والمواجهة التّي تنتهي بصياغة مواقف غير ثابتة تسلسلها أهواء النفس فنقلب السلوك من الدفاع إلى الهجوم؛ لذلك كان من الواجب علينا إيقاظ البعد الموضوعي في نقدنا بعد أن كان يغيب في مواقفنا وآرائنا بسبب الفهم المعوج والمعرفة المخطئة؛ لكن المشكلة التّي نعاني منها اليوم أننا افتقدنا المؤشر الضروري الذي يمكّننا من تصويب الرأي فلم نتقن فن الاختلاف وافتقدنا آدابه وسقطنا فريسة التنازع الذي أورثنا البغي .

العديد من الناس يتشبثون بما يطرحونه كالتشبث بالغصن بقوة وكأن الأمر هو دائما صورة منعكسة لكلام أو تصرفات الشخص الأخر فأحيانا قد يصل البعض إلى أحكام أو يتخذون قرارات بناء على مواقفهم الشخصيّة

أزمتنا أزمة فكر ومشكلتنا في عدم تقبل الانتماء إلى فكر معين وخلافاً في أمور تتردد أحكامها بين احتمالات متعددة جعلنا نصاب بخلل في بنيتنا الفكريّة حتى انقلبنا إلى أمة مستهلكة على مستوى الأفكار وعمدنا إلى هدم ما يخالفنا دون الاستناد إلى دليل مخصوص؛ ونحن لا ندرك أن القدرة على استكشاف اختلافنا تمنحنا مقعدا في الصف الأول لكي لا يبلغ بنا الخلاف مبلغا زائدا عن الحد وهذا ما يجعلنا نتوصل بالفعل إلى رؤية موقف ما بطريقة مختلفة وبنفس تلقائية .

العديد من الناس يتشبثون بما يطرحونه كالتشبث بالغصن بقوة وكأن الأمر هو دائما صورة منعكسة لكلام أو تصرفات الشخص الأخر فأحيانا قد يصل البعض إلى أحكام أو يتخذون قرارات بناء على مواقفهم الشخصيّة وهذا يمكن أن يؤثر على كيفية الاستجابة لما سيأتي من الغير لأننا دائما ما نتكلم كثيرا مع أنفسنا وقلما أصغينا للآخرين وغالبا ما نحتمي بالسطحيّة والاستهتار من قبيل ما يسمى الاختلاف المتعالي.

المواقف تنمو حرة كالأعشاب البريّة لا بد للإنسان من أن يحيطها بالعناية والرعاية كالنباتات وليس بإمكاننا ممارسة الاختلاف إلا في الحريّة والإنسان كلٌ لا يتجزأ فلا يمكن قبول أو رفض الإنسان إلا بكليته؛ وتأكدوا أن كل مصدر للنور ينطفئ وكل مصدر للحرارة يبرد إن لم يتلقى وقوداً ووقود الاختلاف خُطَبُ الودِّ ودون هذا كله فأي اختلاف قد يقهر؛ إذا تعالوا أيها الأصدقاء نختلف لنلتقي فلا بد أن تذوب الأنا والأنت في معايشة نحن وحاول أن تقول لا أحيانا ان كانت تمنحك الثبات الداخلي والاندماج في كليّة المواقف ؛ فيمكننا أن نختلف ولا نفترق مثلما يمكننا أن نتصافى مع الاخر. 

لا شك في أننا نمر يوميا غير مَرةٍ بحالات متباينة الشدّة من الاختلاف؛ هذا المفعول المشّع لإرتكاساتنا الانفعالية الذي يزيد من خبرتنا بنفوس الأخرين باستمرار ويقودنا إلى الفهم الموضوعي لوجهة نظر ما؛ وأن المظاهر الإنسانيّة المشابهة للاختلاف من خلاف ملتهب ومقاطعة مزعجة وغيظ شديد ليست دوافع فطريّة وإنما عادات تشكلت نتيجة الاتصال بالأخرين الذين يجعلون من الاختلاف الأعمى غضبا له معنى؛ لتبقى هذه الدوافع هي المحاور التّي ندور في فلكها إذ هي التّي تكسب حديثنا منحى واتجاهات قد تؤدي بنا إلى تغيرات فجائية عميقة ومن الغريب أن كلا الطرفين يبني موقفه على فكرة لو حللناها لأضعفت النتائج التّي تَوَصَلَ إليها كل منهما.

لا يجب أن نتجاهل الاختلاف وهذا لا يعني أن نركز عليه ونستثني الأمور التّي نستمتع بها؛ نحن بحاجة لأن نكون قادرين على تقليص اختلافنا وحينئذ سنشعر بقيمة جهودنا في تحقيق علاقاتٍ أوثق

نحن نتحاشى الأشخاص الذين يختلفون معنا ويقدمون لنا تقارير حقيقيّة حول أنفسنا وأمام التصنع في تعبير وجهنا يغدو الجو في محيطنا مزعجاً؛ لكن تعالوا أولاً نضع اختلافنا فوق أرضٍ مشتركةٍ وفهمٍ أخلاقيٍ مشتركٍ ومعيارٍ مشتركٍ نلجأ إليه ولا ننظر للاختلاف على أنه اعتداء متعمدٌ أو تعبيرٌ عن قوةٍ أعلى إنما موقفٌ ربما يسجل الحقيقة التّي تمت وقد يكون أمراً ساراً أن تجمعنا التعاليم والسجايا التي نرغب فيها؛ فإن الإنسان لا يأكل إلا لأن الجوع دفعه لذلك فما معنى الجوع إلا أن يكون البحث عن الطعام؛ كذلك الإنسان لا يختلف إلا إذا تعارضت الرؤى فما معنى الاختلاف إلا أن يكون البحث عن نقطة قوة هذه الرؤى .

ومن الطبيعي أن يكون الاختلاف مقبولاً فالاختلاف يتجه إلى إيجاد تحقيقٍ والعثور على مخرجٍ له لأنه بمثابة تصادم رؤى مختلفة فإذا ما أصبح الاختلاف المنتج غير مَرْضِيٍ فإن هذه الحقيقة تقدم دليلاً كافياً على أن الظروف التّي يحدث فيها تعيقه بدلاً من أن تشجعه؛ وبذلك يصبح طرح الرؤى مجهوداً شاقاً يجبر الإنسان على قول ما لا يقول لو استطاع ويتحول الموقف إلى صراعٍ عدائيٍ أعمى يضفي جواً من السخف على إصرارنا على جمود الأفكار في محاولة لاستعادة السلطة الكلاميّة التي هي من علامات الضعف الشخصي والعجز عن مسايرة الاختلاف والتّي هي نوع من الاستجابات الدفاعيّة. 

كلماتنا يجب أن تتفق مع ذاتنا إذ لا بد لنا من تعلم إنشاء انطباع إيجابي رغم الاختلاف في محاولة لنا لعدم حصر أنفسنا في زاوية مع أو ضد؛ فلا يجب أن نتجاهل الاختلاف وهذا لا يعني أن نركز عليه ونستثني الأمور التّي نستمتع بها؛ نحن بحاجة لأن نكون قادرين على تقليص اختلافنا وحينئذ سنشعر بقيمة جهودنا في تحقيق علاقاتٍ أوثق؛ فماذا تنتظرون أيها الأصدقاء تعالوا نختلف بحب ويبقى الودّ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.