فجوة في الأسوار

blogs - الأبوة
لا تزال تطرق أسماعنا كثير من العبارات التي مللنا سماعها من قبيل (الأبناء هم فلذات الأكباد، وهم أمانة في أعناق الآباء. ومن الأمانات التي لا يجوز خيانتها رعاية الأبناء، فالآباء يُسألون عن رعايتهم لأبنائهم إن أحسنوا أو أساءوا) في مدارسنا ومساجدنا وإعلامنا إلى غير ذلك من وسائل توعوية وإعلامية.

وما زلنا نلاحظ اهتمام الآباء بصناعة نجاحاتهم الشخصية على حساب تربية أبنائهم، فتجد الآباء يصارعون أمجادهم العلمية والعملية دون اكتراث بتنمية قدرات أبنائهم الشخصية والعلمية.

شاءت الأقدار أن ألتقيَ بأسماء لامعة مجتمعيًا، لهم حضور ديني وتربوي وإعلامي، لكن كلما اقتربت منهم أكثر، كنتُ أخجل أكثر، أحدهم جمع في سيرته الذاتية بين الدرجات العلمية والقدرات التطويرية والمساهمات المجتمعية والإعلامية والتربوية، وبناءً عليه تجده يتنقل بين عدة مناطق في اليوم الواحد، ويشارك في عشرات الفعاليات يومياً، والطامة ألا يجد أبناؤه ساعة من نهار يتحدثون إليه أو يتسامرون معه أو ينظر في أحوالهم وأمورهم الحياتية، وبلا مبالغة إن قلت إنهم يرونه في الشاشة الفضية أكثر مما يرونه في المنزل، وربما سئموا من ذلك فلم يعودوا يرونه.

قبل أن نرى أبناءنا بين مطرقة الفشل وسندان تدني الأخلاق، لا بد أن نقضي أنفس الأوقات مع أبنائنا ونقدم لهم ميراث القيم والأخلاق، ونغرس فيهم المسؤولية والطموح.

السؤال هنا هل يتكفل المجتمع بتربية أبناء رجال الدين والإعلاميين والرياضيين والمشاهير، إذًا نحن بحاحة ماسة إلى دور للتربية على غرار دور الأيتام وأبناء الاحتياجات الخاصة.

نستطيع أن نقول لصاحب مقولة (باب النجار مخلوع) صدقت، فمثل هذا قد ظهر ببعض النجاحات السطحية أمام بعض المنخدعين، إلا أنه حقيقة قد فشل في تحديد أولوياته ورسم خططه المستقبلية وخسر الاستثمار الحقيقي، حتى فقد بوصلة التكليف الإلهي وكلٌ مسؤولُ عن رعيته.

العجيب أن هناك من ينظر إلى مثل هؤلاء بعين الإكبار كما يُنظر إلى العظماء، ويبرر لهم هذا الإخفاق بحجة النفع المتعدي، بل ويتبنى مراكز تربوية خاصة بأبناء هؤلاء المنغمسين في أنانية الذات حتى ولو كان المقابل فلذة كبده، فكيف بنا أن نجعل مثل هؤلاء قدوات لنا ولأبنائنا؟

هل مثل هؤلاء نعول عليهم بناء أمة، وتخليد حضارة، وتمكين مجتمع، وصناعة جيل، بكل تأكيد يكون النفي هو ما يتفق عليه أصحاب العقول الواعية، فكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده بإهماله وترك تأديبه، وأرهق نفسه في تشييد البنيان وهمش البنين.

لكننا بين الحين والآخر نحتاج إلى صدمات كهروحياتية لنفيق على تدنٍ في المستويات الدراسية لأبنائنا أو نلحظ سلوكيات مشينة منهم أو فقدانهم للقيم، مع علمنا بأن الدراسات تؤكد أن أسباب فشل الأبناء في الدراسة والحياة العملية أو تزايد حالات الإدمان أو العنف أهمها هو غياب دور الأب داخل الأسرة.

قبل أن نرى أبناءنا بين مطرقة الفشل وسندان تدني الأخلاق، لا بد أن نقضي أنفس الأوقات مع أبنائنا ونقدم لهم ميراث القيم والأخلاق، ونغرس فيهم المسؤولية والطموح، وأن نكون قدوات نلهمهم تجارب الحياة ودروسها.

وقد قيل: (إذا أردتَ أن تزرع لسنة فازرع قمحاً، وإذا أردتَ أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرة، وإذا أردتَ أن تزرع لمائة سنة فازرع إنساناً). وحينها لا يسعك إلا أن ترمق السماء وتردد (وكان أبوهما صالحاً)، وتؤمن بأن تربية الأبناء أمانة، وتعليمهم رسالة، وتميزهم هدف، لأنهم ودائع الله.