علمونا أن نهرب من الحب

blogs - love

نحن العرب نعترف بالحب في قصص الغابرين، نحب أن نذكره بخجل في حكايات قيس وليلى، روميو وجولييت، محمد عليه الصلاة والسلام وخديجة، أن نتباهى أمام الجميع أن رسولنا وقدوتنا كان محبا لزوجه يسعى لسعادتها. بهذه القصص بصفة عامة، وقصة نبينا بصفة خاصة نبرر بأننا شعبٌ لا ينقصه الحب ولا يخجل من أن يجهر به أمام الجميع، مفتخرا أن نبينا كان رجلا صالحا لأهله ولبيته.

 

لو أضحت أسقف منازلنا شفافة، وخصصنا أوقاتا لمراقبة تصرفات أزواج مجتمعاتنا التي ترعرعنا فيها ونفتخر يوما بعد يوم بالانتماء إليها، سنلاحظ أن الأزواج بصفة عامة يتصرفون كالغرباء في بيوتهم

ولكن ما أن يُحوَّل الحديث الى جهة المتحدث ليتحدث عن قصته مع الحب والرحمة في بيته ولزوجه، حتى تجده ينطق بأحرفٍ مِن حجر عن أن طرفه الآخر لا يساعده على الحب ولا يأخذ بيده إلى السعادة، أو أنه وزوجه كبرا على مثل هذه الأمور وأن همهم الأكبر في هذا الوقت هو خدمة الأولاد وضمان مستقبلهم.

 

لو أضحت أسقف منازلنا شفافة، وخصصنا أوقاتا لمراقبة تصرفات أزواج مجتمعاتنا التي ترعرعنا فيها ونفتخر يوما بعد يوم بالانتماء إليها، سنلاحظ أن الأزواج بصفة عامة يتصرفون كالغرباء في بيوتهم، الزوجة لها أهداف والزوج له أهداف أخرى. الزوجة تحب السفر كثيرا والزوج يحب الاستقرار. الزوج عاطفي يحب أن يتعامل بحسٍّ ورِقَّة، والزوجة لا تهمها هذه الأمور وتجدها تافهة. الزوج له عادات والزوجة لها عادات أخرى..

 

ومن هنا تبدأ المشاكل تتكون كَكُرة الثلج، تبدأ من "لن أذهب معك هذا الأسبوع عند أمك"، إلى أن تصل إلى "أنت متخلف ولست مُتَفتِّحاً رغم مستواك التعليمي، ستبقى رجلا قديما لا يعرف للتطور عنوان". وهذه بداية انصهار كرة الثلج في القلوب، متزامنةً مع جدران المنزل الدافئة التي تحتضن ابتسامات أطفال كالملائكة تُزيِّنُ الجو، ولكن القلوب.. وهيهات على القلوب، يقسمها جدارٌ من حديد ساخن ألهب الشرايين وأحرق جميع مميزات الشخصية واللحظات الجميلة.

 

ووصلنا إلى مرحلة الحرب الباردة أحيانا والمدوية أحيانا أخرى، انطلاقةُ أصعب تجربةٍ في الحياة؛ تجربة اغتيال الحب وبداية الموت البطيء للأحاسيس، وهذه الأمور لا يتم التعبير عنها إلا بالصراخ الشديد ليلا، وعدم تقدير كل طرف للآخر، أو التحدث بسوء في غياب أحد الأطراف. والأبناء هنا يلعبون دور المتفرج يوما والحَكَم يوما والمحايد أحيانا والمنكسر الخائف دائما وأبدا.

 

هذا الطفل اليوم؛ الرجل والمرأة غدا.. الأب والأم في وقتٍ لاحق.. عندما يصل هذا اللاحق ويصبح الطفل في سن الزواج، من الأكيد بأنه سَيُحِبْ وسَيُحَبْ، سيُفَكِّرُ في أن يبنيَ قصراً صغيراً يملأه الحب والسعادة؛ كما في قصص قيس وليلى تلك التي قرأها في الروايات، أو كقصة محمد عليه الصلاة والسلام، تلك التي سمعها يوما في أحاديث الكبار. في هذه اللحظة بالذات سيواجه طريقين حاسمين، الأول يأخذه إلى عالم الزواج والذي سيتكلل بأحداث والديه، لأنه سيعيد نفس السيناريو، وهو لا يعي أن بداخله حمولة ثقيلة ستنفجر في الوقت الذي سيبدأ فيه مساره الثنائي. والطريق الآخر هو الذي يمكن أن نعتبره وعيا بالحُمولة مما يجعل الإنسان غير قادر على أن يخطو إلى الامام مؤجلا ذلك إلى موعد غير محدد.

 

وفي لحظة من الحياة ينقسم أطفالنا الى قسمين كما أشرت سابقا، قسم الأغلبية، الذي يعيد حياة والديه بصفة عامة؛ مع تغيير في التفاصيل، أما الطريقة فتبقى نفسها.. يعيدون بناء أيامهم بالحجر الذي ورثوه عن آبائهم وعن دون وعي بأنهم يساهمون في إنتاج كيلوغرامات من اللحم لتسير على منهاجهم. والقسم الذي يمثل الأقلية؛ لا نلمس وجوده في المجتمع، ليس لانعدامه؛ ولكن لأنه لا يفسر عدم ارتباطه بالخوف من الفشل وإعادة سيناريو قديم يؤلم ذاكرته، إنما يبرر بـ"الوقت لم يحن، لم أجد ما يناسبني، لست مؤهلا بعد".

 

هذا الصنف الثاني أنا أعتبره أكثر ذكاءً لفرضيتين اثنتين، الأولى أنه ربما يحاول أن يعالج نفسه من ترسبات الماضي الثقيل والتي تكدست في عقله ولم يستطع إلى حد الآن التحرر منها، وعندما يتخلص منها سيمشي مرفوع الرأس إلى مصيره وهو متأكد أنه لن يعيد الكَرَّة وسيساهم في إنتاج مواطنين سليمين نفسيا. أما الفرضية الثانية وهي أن هذا الشخص اقتنع بأنه لا علاج لماضٍ قاسٍ نَخَرَ قلبه وذاكرته، متيقنٌ أنه لن يستطيع أن يكسر قيود الماضي، لذا قرَّرَ ألاَّ يُعَذِّبَ طرفاً آخر وألاَّ يُنتجَ مُعذَّبين في الأرض.

 

وفي النهاية نجدنا نهرب من الحب ليس للحُبِّ في ذاته ولكن خوفا مما يقبع وراء بابه..