صراع السلطة بين الأرض والدين

blogs - books
تنهض الإمبراطوريات والممالك والدول من نواة الأسرة التي تنشأ منها روابط دينية اجتماعية ثقافية اقتصادية سياسية، حيث يستلزم التوسُّع وجود قائد يشرِّع القوانين والأنظمة التي تنظم علاقات الأفراد في مجتمع اقتفى أثر التطور الطبيعي مع غزارة معرفة الإنسان بالكون، بيد أن توحُّش النفس البشرية والمُبتغى الدائم في نيل السلطة والهيمنة على الآخر تجنح به إلى منعطفات هامة تجعله يتمحَّل الحيل والأعذار الواهية لتوليد الأفكار والسرائر الجديدة، إما للوصول نحو الحياة الأمثل أو لتفادي الوقوع في الأسوء.

من هذه الأفكار مثلاً، ما ظهر في القرون الوسطى وسمي بـ”الولاء المزدوج أو نظرية السيفين” نتيجة تعاظم دور الكنيسة، حتى باتت سلطة بابا روما تضاهي سلطة القيصر آنذاك، وقد أوعزت البابوية حينها إلى ضرورة أن يكون للكنيسة سلطة على القيم الروحية والخلقية تستوجب ولاء العبد نحو الرب الذي يُظهر نفوذه وإِمرَته في الأرض من خلال الكنيسة، بينما الأمن والمحافظة على النظام وتحقيق العدالة فهو أمرٌ يقع ضمن حيَّز الإمبراطور حيث يتوجّه المواطن بولائه إلى السلطة الدنيوية ممثلة في حكومة الإمبراطور.

لكن مع هذه الفكرة أصبح الناس يجدون مضاضة وهم حائرون أمام خيارين إما أن يطيعوا الله والسلطة المتمثلة في الكنيسة أو أن يطيعوا الحاكم وسلطته المتمثلة في القوانين والأنظمة الدنيوية، وقد قسِّمت الكنيسة الإنسان إلى طبيعتين جسدية وروحية وفرضت التسلُّط والتملُّك على الطبيعة الروحية وتركت الجسد خاوٍ على عروشه، لذا لا عجب أن يتقاعس ويتقلَّص دور الكنيسة في الديانة المسيحية إلى هذا الحد وقد اختارت منازعة الإمبراطور للتسلُّط على شعور وجداني ينصُ أن يكون المتنازع عليه مُوقِنا وَرِعا زاهدا بالدين معتقدا بالعقيدة!

اعتقد بعض المهتمين أن مبدأ فصل الدين عن الدولة يمكن أن يحلَّ إشكالية الولاء، لكن تحقيق هذا الأمر يظلَّ في غاية الصعوبة لأن المناخ الذي انبثق منه هذا المذهب السياسي لا يتوافق مع طبيعة الحياة في الشرق.

هذا الأمر ليس مقتضبا على زمان أو مكان دون سواه، ففي بنجلاديش كثيرًا ما اتهم حزب بنغلاديش الوطني العلماني الأقلية الهندوسية في بلد الأغلبية المسلمة أن ولاءها للهند الجارة رغم شعارات القيم والمبادئ والتسامح التي تنادي بها زعيمة الحزب شيخة حسينة واجد.

كذلك الكويتيون جزعوا بعد سقوط بغداد من تفاقم الصراع المذهبي وانعكاساته على الداخل الهادئ الساكن بطبيعته، وقد أمضَّهم ازدواجية الولاء الذي أقحم المجتمع الصغير في دوامة طائفية أيديولوجية تتدفق من خارج الوطن، حتى أن بعض النواب الشيعة في مجلس الأمة السابق تحركوا العام الماضي في ضوء فتوى سياسية صادرة من المرشد الأعلى علي خامنئي للحج إلى مرقد الحسين بن علي رضي الله عنه في كربلاء، وقد أرجأ أعيان الشيعة في حينها إلى وجود نوعين من الولاء إحداهما سياسي والآخر ديني، رغم أن الفتوى طرأت في كَنَف تسيس إيراني للركن الخامس من أركان الإسلام.

وقد اعتقد الكويتيون السنَّة أن مصطلح ازدواجية الولاء حديثة العهد لا أصل له في التاريخ، وقعت في الكويت للتملص من حرج الخلافات السياسية التي ربما تعيق الشيعة مستقبلاً عن ممارسة الشعائر الدينية.

من هنا اعتقد بعض المهتمين أن مبدأ فصل الدين عن الدولة يمكن أن يحلَّ إشكالية الولاء، لكن تحقيق هذا الأمر يظلَّ في غاية الصعوبة لأن المناخ الذي انبثق منه هذا المذهب السياسي لا يتوافق مع طبيعة الحياة في الشرق الذي مكث قرونا عديدة كتلة واحدة متماسكة في أكثر من اتجاه استعصى معه التغيير، رغم أن معاهدة سايس بيكو جزءَّها إلى دويلات وكرَّس ثقافات ومصالح جديدة تمنع عودة وتلاحم الكتلة المقسَّمة، إلا أنها لا تزال في الجانب الروحي أكثر تعاضداً كما في العهد السابق لأن جميع الفرق الإسلامية تجمع على إسقاط الحدود وإقامة الخلافة أو الإمامة.