شعار قسم مدونات

رسائل الله

blogs- الدعاء

الحياة بطبيعتها المعقدة، وبتداخل مكوناتها تجذب الإنسان إليها وتشغله بتراتيبها، فيسري هذا الإنسان ويتيه في دروبها إلى أن ينسى وظيفته الأولى(الاستخلاف)، وغاية وجوده الأسمى(العبادة)، فتمضي الأيام والأيام، والإنسان تائه في هذا الزخم.

في خضم هذا كله، تتدخل الإرادة الربانية لتبعث برسائل تُذكِّرُ هذا الإنسان بحقيقة الوجود والمآل، فالرب رحيم ولا يرضى التيه لهذا الإنسان، فتبدأ هذه الرسائل تتوافد نهارا واضحة وضوح الشمس، لكن حجاب التعود كما _يسميه عمرو شريف_ بفقد الشعور بأهمية وقوة تلك الرسائل فتصبح محجوبة لا يدركها إلا ذوو البصائر المتفتحة، فالشمس في غروبها وشروقها، والقمر في طلوعه وأفوله، والنجوم، والسماء، والرعد، وتقلبات الليل والنهار، وحركة الناس في الحياة، وما نصادفه من ظواهر إنسانية وطبيعية، وكل صور الجمال، هي رسائل من الله يبعثها لكي تشعرنا بحقيقتنا وحقيقة مهمتنا.

وعندما يصبح هذا الإنسان غير مدرك لتلك الرسائل، غير قادر على قراءتها رغم وضوحها، يصبح في حاجة إلى رسائل أكثر قوة، حتى يستيقظ من غفلته ويصحح المسار، لكن حذار هذه المرة!! فكما أن هذه الرسائل القوية قد تكون نافعة لمن أحسن قراءتها _ولو بعد تأخر_ فإنها أيضا قد تكون مدمرة لمن لا يحسن قراءتها، ولا يفقه المغزى من ورودها بتلك القوة. إنني أتحدث عن تلك الحوادث التي يتعرض لها الإنسان؛ سواء كان موت قريب، أو حوادث سير غير مميتة، أو غيرها من الأمور التي تضطرك إلى ملازمة الفراش…
 

الجميل في هذه الرسائل الممتعة أنها تُعطيكَ ما كنتَ في حاجة إليه، تمنحكَ فترة للتفكُّر والتأمل في ذاتكَ وما حولها، نعم تلك الفترة التي تقضيها طريح الفراش مُرغَما، كنتَ في أمس الحاجة إليها لأنكَ نسيت عبادة التفكُّر، وأصبحت مُجردَ كائن غرائزي تلهثُ وراء الوهم والسراب

هذه الأمور التي قد ينظر إليها من لا يحسن قراءة الرسائل الربانية على أنها شر مستطير يطارده، وأنها لعنة تتبعه هو دون غيره.. وغيرها من الكلمات والعبارات التي حمَّلتنا بها ثقافتنا الاجتماعية الهشة، لكنها في حقيقتها رسائل في قمة الجمال، بل هي رسائل مبهرة في روعتها! يبعث بها الرب الرحيم إليك وقد اختصك من دون البشر لطفا بك، وقد كدت أن تهلك، أقول ما أقوله وأنا أكتب هذه الكلمات بثلاث أصابع، أكتب لكي يعاود النظر كل من يظن واهما أنه استثناء، وأنه خارج قوانين الكون يضرب في الحياة يمنة ويسرة كأنه إله نفسه! إذا كنت من هذا النوع فأعد النظر واسأل نفسك؛ من الذي يمنعك من أن تكون في نفس الموقف.

الجميل في هذه الرسائل الممتعة أنها تُعطيكَ ما كنتَ في حاجة إليه، تمنحكَ فترة للتفكُّر والتأمل في ذاتكَ وما حولها، نعم تلك الفترة التي تقضيها طريح الفراش مُرغَما، كنتَ في أمس الحاجة إليها لأنكَ نسيت عبادة التفكُّر، وأصبحت مُجردَ كائن غرائزي تلهثُ وراء الوهم والسراب، وها قد مُنحتَ هذا العطاءَ الرباني من غير جهد ولا سعي من أجله، فقط عليكَ الآن أن تُحسن القراءة. وأن تتسلح بنظارة الإيمان؛ عوض الإغراق فيما كنت فيه.

للوهلة الأولى فكر؛ ماذا لو كانتِ القاضية؟ هل كنتَ قد أكملتَ مهمتك في الحياة أم أنكَ لم تبدأها بعد؟ هل كنت تُقدِّرُ الحياة أم أنكَ كُنت تدب على الأرض كغيرك ممن يدب؟ إن إعادتك لشريط الأحداث وتدقيقك فيها لن يزيدك إلا تحيُّرا… إنه "تناغم القدر"؛ الثانية والجزء من الثانية كانت حاسمة، ليس لها من تفسير؛ إلا تفسيرها بأنها رسالة من الله إليك، ينبهك وقد نسيت الكتاب المسطُور والكون المنظور، لكي تعاود النظر، وتعاود ترتيب أفكارك، وأولوياتك، وتعاود الارتباط بمن وهبك الحياة أولا، ووهبك فرصة الحياة ثانية، ولو أنك لا تستحق.

إن رسائل الله منتشرة في كل هذا الوجود، تنبعث نهارا وليلا لتذكرنا نحن البشر بحقيقتنا، وحقيقة وظائفنا وغاياتنا، بل إن الكون بأكمله؛ رسالة تصرخ منادية بأن الذي بعثها هو "الله" "الرب الرحيم"، فيا ليتنا نحسن القراءة الحقة؛ القراءة باسم الله، لرسائل الله، المكتوبة بلغة الله، المنثورة في كون الله وخلق الله. 

إن الرب الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، أحق بأن يذكر ولو مرة، أحق بأن يناديه هذا الإنسان ليلا ونهارا، وأن يصيح من عمق قلبه يا الله ما أرحمك! يا الله ما أعدلك! يا الله ما أجمل رسائلك!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.