شعار قسم مدونات

رحيل لم يرحل عن الذاكرة

Blogs- آثار رومانية
هو رحيل دولة الأمجاد على امتداد جغرافيا البلاد، ضمّت في أوج توسّعها العراق والشام والحجاز ومِصر، اتّخذت مناقب حسنة تمثّلت في الدفاع عن حياض الإسلام ودياره والذود عنه، ولا سيما حينئذ هزمت حلفاً ضمّ المغول والروم والفرنج، فقلّمت شأفته وكسرت شوكته، عدا تقدّمها في العمران وتدشينها المدنَ والمكتبات وتعزيزها العلم بشتّى أطيافه، فكانت منارةً جلّت طرق العلم والمعرفة أمام من يبتغيها وقشعت ظلمات، أتحدّث عن دولة المماليك المجيدة.

إن أردنا تفنيد انهيار الدولة المملوكيّة فيرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
– الأوّل: سيطرة البرتغاليّين على طريق رأس الرجاء الصالح الّذي يبدأ من لشبونة الساحليّة البرتغاليّة على المحيط الأطلسي، وينتهي في الساحل الجنوبي للهند على المحيط الهندي، وعجز الدولة المملوكية عن دحرهم، فكانت ضربة بمثابة كارثة على اقتصاد الدولة المملوكيّة الّتي كان يعتمد بشكل بارز على التجارة مع الهند، عدا سيطرتهم على قواعد هامّة في اليمن وعُمان الساحليّتين وتهديدهم بنبش قبر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لمقايضته ببيت المقدس، ممّا أدّى إلى تدهور الاقتصاد المملوكي وانكماشه والّذي بدوره زعزعَ قوّة الدولة المملوكيّة، ونحّى مكانتها بين الدول وبين شعبها.

– الثاني: النزاع والتناحر بينها وبين الدولة العثمانيّة ما بين أخذٍ ورد، الّذي انتهى بانهيار الدولة المملوكيّة بمعركة الريدانيّة بعد معركة مرج دابق.

– الثالث: هوَ حنق ونقمة عامّة الشعب على دولتهم المملوكيّة إثر الإثقال عليهم بالضرائب بعد التراجع الطفيف لاقتصاد دولتهم وبعض المظالم والتجاوزات بحقّهم ولا سيما في الشام.

الجيش المملوكي لم يستخدم البنادق إلّا بشكل شحيح جدّاً مع أنّ الدولة المملوكيّة عرفت البنادق والمدافع قبل العثمانيّة بكثير لكنّ وضع دولتهم الاقتصادي المتدهورجعلهم يهملون تسليح جيشهم.

نعودُ بالذاكرة إلى عهد السلطان الشركسي المملوكي قانشاو الغوري وانتهائه بمعركة مرج دابق الّتي بدأت بعد رفض قانشاو انضواء دولته تحت لواء الدولة العثمانيّة بسلطانها سليم الأوّل، ولا سيما بعد النصر الساحق الّذي أحرزه سليم الأوّل على الدّولة الصّفويّة في معركة جالديران.

بدأتِ المعركة في اليوم الخامس والعشرين من رجب سنة 922 هجريّة بالتقاءِ الجيشين، في مرج دابق بشمال حلب بعيداً عن القاهرة مركز الدولة المملوكيّة، فاحتدمت وأبدى الجيش المملوكي شجاعة وبسالة عاليتين وزعزع صفوف الجيش العثماني على رغم تفوّق الأخير عليه بالعدد والعتاد من بنادق ومدافع، ولا سيما الحواجز الّتي خفّفت من وطأة هجوم الخيّالة الفرسان، وكاد أن يهزم العسكر العثماني لولا خيانة الأمير خاير بك قائد ميسرة الجيش المملوكي وبعض أمراء الشام وانضمامهم إلى الجيش العثماني مع جيوشهم أثناء المعركة.

فقد عرض سليم الأوّل على خاير بك أن يبقى صاحب حلب في ظلّ حماية الدولة العثمانيّة وسلطانها عليه إن تخلّى عن ولائه لقانشاو ولا سيما آناء المعركة عدا مراسلات خاير بك مع سليم الأوّل فيما سبق المعركة بكثير، واستمالته بعض أمراء الشام فيما سلفها إلى جانبه، ممّا أدّى إلى انهيار معنويّات الجند، ولا سيما بعد إشاعة خبر كاذب أفاد بمقتل قانشاو، فهُزم الجيش المملوكي وقُتل قائده قانشاو في أرض المعركة بعد ذلك، وهو يحاول إعادة تجميع جيشه المتناثر في أنحاء مرج دابق، وكان قد بلغ من العمر ثمانين عاماً حينئذ، كما قُتل الكثير من العسكر المملوكي تحت وابل حمم المدافع العثمانيّة وبنادق جيوشهم، وبذلك خسرتِ الدولة المملوكيّة نصف أراضيها تقريباً بعد سيطرة العثمانيّين على بلاد الشام ويكون طومان باي ابن أخ قانشاو اعتلى سدّة السلطنة من بعده.

بعد إحكام سليم الأوّل السيطرة على الشام وتدبير إدارتها وإخماد تمرّد بعض أمرائها المماليك وتجهيز الجيوش أرسل سليم الأوّل إلى السلطان طومان باي يعرض عليه الانضواء تحت سلطان دولته وتعيينه والٍ على مصر، لكنّ طومان باي رفض فما كان من السلطان سليم إلّا أن توجّه بجيوشه إلى مصر بقوامٍ بلغ مئة وخمسون ألف جندي بصحبة عدد كبير من المدافع، فعبر الصحراء في خمسة أيّام رغم غارات البدو المتكرّر والمؤلمة على جيوشه.

في حين راعى طومان باي وضع جيشه المتزعزع والمتآكل فآثر الدفاع عن الهجوم بعد إرساله الأمير جان بردي الغزالي بصحبة قطعةٍ من العسكر للدفاع عن غزّة وفشله في ذلك، فمركزَ جيشه في الريدانيّة بالقاهرة بقوامٍ بلغ أربعين ألف جندي بصحبة مئتي مدفع ثقيل، وأعدّ كميناً محكماً يباغت فيه الجيش العثماني أثناء مروره بالقرب من الريدانية وينقضّ عليه وهو في حالة نصبٍ وتعب إثرَ عبوره الصّحراء، فأقام الدشم وزرع الحواجز لتقف في وجه الخيّالة كالسدّ المنيع وحفر الخنادق ودفن المدافع في الرمال لتوريتها عن العيون.

أعدمَ طومان باي شنقاً حيث لقي حتفه على الرّغم من تردّد سليم عن إعدامه وإعجابه بدهائه وفروسيّته.. فصرخَ أهل مصر صرخة مزلزلة تفيض ألماً وحُزناً، واشتُهر طومان باي بقوله قُبيل شنقه: إنّــي راحــل ومِصـر باقيــة.

لكنّ الخيانة ألقت بحبالها من جديد بأيدي جان بردي الّذي أخبر صديقه والي حلب خاير بك بتلك الخطّة فوصلت إلى سليم، فأظهر سليم أنّه سيمرّ بجيوشه بالطريق المرسوم في خطّة طومان باي لكنّه خدعه فالتفّ بجيوشه حول الجيش المملوكي وهاجمه بكامل ثقله في الريدانيّة، فتقابل الجيشان هناك في 29 من ذي الحجّة سنة 922 هجريّة وكان العسكر العثماني غزيراً كالجراد المنتشر فاشتدّت المعركة وأبدى فيها المملوكي ضروباً من البسالة وأثخن في العثماني وقتل الكثير من قادته مع أنّ العثماني تفوّق عليه بالعدد والعتاد والمدافع خفيفة الحركة عكس مدافع المملوكي ثقيلة التحريك.

 ولا سيما أنّ الجيش المملوكي لم يستخدم البنادق إلّا بشكل شحيح جدّاً مع أنّ الدولة المملوكيّة عرفت البنادق والمدافع قبل العثمانيّة بكثير لكنّ وضع دولتهم الاقتصادي المتدهورجعلهم يهملون تسليح جيشهم بها وتعديل خطط التدريب لتناسب تلك الأسلحة فأبقوا على اعتماد النبال والرّماح والخيّالة عدا اعتدادهم بفروسيّتهم وتفضيلها على البنادق، وأبلى الجيشان حسَناً في المعركة، حتّى أنّ طومان باي قاد بنفسه مجموعة فدائيّة انغماسيّة واقتحم معسكر سليم وقبضَ على وزيره الأعلى سنان باشا وقتله بيده ظانّاً أنّه سليم، وكان قد اكتشف خيانة جان بردي لكن بعد فوات الأوان فآثر ألّا يعاقبه آناء الأحداث كي لا يفرّق الجيش ويزعزعه.

خسر المملوكي الكثير من أمرائه وعساكره فهُزم في الريدانيّة بعد أنِ استمرّت المعركة سبع ساعات، فانسحب طومان باي مع بقايا جيشه بعد أن فقد من جنده وقادته الكثير ثمّ التفت إلى مقاومة العثماني وفق حرب عصابات تتربّص به بعد أن دخل القاهرة بعد ثلاثة أيّام وخلع آخر الخلفاء العبّاسيّين، وتطوّرت الأحداث وساءت حتّى لجأ طومان باي إلى أحد زعماء الأعراب في إقليم البحيرة فأحسن استقباله ثمّ وشى به إلى سليم فما أحسّ إلّا والعسكر العثماني يحاصره وجنوده فأُلقيَ القبض عليه مع بعض جنده وقُتلَ البعض الآخر ثمّ سُجن أيّاماً ثمّ سيقَ راكباً إلى باب زويلة وحوله أربعمئة من جند الانكشاريّة تحرسه وهو يسير بشموخ على مرأىً من عامّة المصريّين ليُعدمَ هنالك شنقاً حيث لقي حتفه على الرّغم من تردّد سليم عن إعدامه وإعجابه بدهائه وفروسيّته وحنكته، فصرخَ أهل مصر صرخة مزلزلة تفيض ألماً وحُزناً، واشتُهر طومان باي بقوله قُبيل شنقه: إنّــي راحــل ومِصـر باقيــة.

وبذلك انتهى عهد الدولة المملوكيّة المجيدة والخلافة العبّاسيّة.. وهنا أستحضر قول رسول الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ حقّاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدّنيا إلّا وضعه". فهكذا حال الدول على مرّ العصور وانصرامها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.