شعار قسم مدونات

دولة الرحمة ومدينة المحبة

Blogs - Handshake
للاجتماع البشري مسوغات وجودية، كوحدة اللسان والدين والرقعة الجغرافية والعصبية فيما ذهب إليه ابن خلدون "وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد؛ لأنهم بذلك تشتد شوكتهم.. وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقرباهم موجودة في الطبائع البشرية…  وأما المتفردون في أنسابهم، فقل أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه.. فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم، وإذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبؤة أو إقامة ملك أو دعوة، إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء، ولابد في القتال من العصبية " مقدمة ابن خلدون 1/136 م الكتب الثقافية.

وقد كان أمام ابن خلدون في النبوءة وما يحمل الناس عليها أمثلة عديدة لم تفتقر إلى العصبية، بل وجد المؤيد بالوحي الشقاق والجدال والمراء في ذوي رحمه ما لم يجده في سواهم قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهند. وهذا ما وقع لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث وجد في عصبته من الجور ما لم يجده في سواهم علما أنه رسول الرحمة والمحبة والمؤيد بإله الرحمة والمحبة، وهذا مناط الاجتماع عليه. وإذا كانت المحبة طبع من طباعه فهي صفة من صفات الله عز وجل، وقد اختص لحبه الأصفياء الأخيار؛ كحبه للمحسنين والمقسطين والمتقين والتوابين والمطهرين والمتوكلين والصابرين والذين يقاتلون في سبيله صفا.

أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف؟

فالرحمة والمحبة من صفات الخالق وتجل من تجلياته على الخلق، خاصة أشرف الخلق؛ حيث قال في حقه صلى الله عليه وسلم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 107)(سورة الأنبياء) وقال عن نفسه "إنما أنا رحمة مهداة "أخرجه الحاكم. والدليل على أن الرحمة والمحبة مناط الاجتماع البشري قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) آل عمران:159 "أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. (ولو كنت فظا) أي: سيئ الخلق (غليظ القلب) أي: قاسيه، (لانفضوا من حولك) لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.

فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله؟ وجذبا لعباد الله لدين الله" تيسير الكريم الرحمن للسعدي 141 دار الحديث.

والأخلاق الحميدة ليس قاصرة على الرئيس في الدين فقط؛ والرسول صلى الله عليه وسلم كان رئيسا في الدين والدنيا، والآية في حد ذاتها نزلت لأمر جلل يهم الدين والدنيا "جاءت عقب أحداث حدثت في أُحد: الحدث الأول: أنه صلى الله عليه وسلم رأى ألا يخرج إلى قتال قريش خارج المدينة بل يظل في المدينة، فأشار عليه المحبون للشهادة والمحبون للقتال والمحبون للتعويض عما فاتهم من شرف القتال في "بد" أن يخرج إليهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأيهم، ولبس لامته، فلما أحسوا أنهم أشاروا على رسول الله بما يخالف ما كان قد بدر منه، تراجعوا وقالوا: يا رسول الله إن رأيت ألا نخرج، فقال: "ما ينبغي لِنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".

هذه أول مسألة، وهي مسألة المشورة. وبعد ذلك تخلف ابن أُبيّ بثُلثُ الجيش وهذه مسألة ثانية، أما المسألة الثالثة فهي مُخالفة الرُماة أمره صلى الله عليه وسلم وتَرْكهم مواقعهم على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد حذرهم من ذلك، ولكنهم خالفوا عن أمر رسول الله. والمسألة الرابعة هي: فِرارهم حينما قيل: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسألة الخامسة: أنه حين كان يدعوهم؛ فروا لا يلوون على شيء" تفسير الشعراوي 3/1836-1837، أخبار اليوم .

فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين، تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه.

فالمشورة والنزول عند رغبة الأكثرية وإن كانت على غير هدى وشق وحدة المسلمين ومخالفة أوامر قائد الدولة والفرار من العدو ..جلها أحداث بالمقاييس العادية تظهر ما تبطن من حطام الطبيعة البشرية لكن مواجهتها بالرحمة هي عبرة خالدة من قائد المدينة/الدولة /الأمة إلى الحكام الذين واجهوا مطالب الشعوب العادلة بمصادرتها بالدبابات، والبراميل الحارقة، وتثبيت دعائم الأفخاذ الجاثمة على الأنوف، وبالعفو عن الظالمين، وملء الخزينة العامة من جيوب المظلومين قهرا، فالفظاظة والغلظة والجور والتحالف مع الفساد هي عوامل التحطيم الذاتي للاجتماع البشري .

هذا في حق الحاكم، فكيف كانت الفئة المحكومة؟ (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) الحشر :8 هذا في حق المهاجرين. (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَففْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 9) الحشر: وهذا في حق الأنصار.

وفي حق الحاكم والمحكوم (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا اللصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 29) الفتح :29

ما سلف كان محاولة للانعتاق من المفهوم المادي للدولة كشخصية معنوية تجسد أمة وتفتقر إلى شعب وإقليم وسيادة، إلى مفهوم يتأسس على الرحمة والمحبة والعدل "إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً؛ وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً " مجموع الفتاوى 28/146.