جنسيتنا الحقيقية هي الإنسانية

blogs إنسانية

بعيداً كلّ البعد عن جولات السّجال السياسي، والتحليلات المستميتة لتوجيه أصابع الاتهام لأحدهم، كنوعٍ من الاستنصار للذات، ومحاولة بائسة لإخماد صيحات الضمير، لم يخطر ببال القبطي المصري الذي ولَج الكنيسة ليحتفي بشمّ النسيم أن يخرج منها أشلاءً محملاً على الأكتاف، ولم يخطر ببال ضابط الأمن المسلمة التي تقف بحجابها على باب الكنيسة في مهمة أمنية رسمية، أن تكون أولى ضحايا التفجير الإرهابيّ، ولم يخطر ببال الأمّ السورية التي خرجت في غفلة عن عيون أطفالها النائمة لقضاء بعض المهام المستحيلة في يقظتهم، أن سباتهم سيكون أبديّ بعدما فاضت أرواحهم جراء استنشاقهم للغازات السامّة المنبعثة من الأسلحة الكيماوية، بل أنها لن تحتاج بعد اليوم لاقتناص فرصة رقدتهم، فقد رقدوا إلى ما لا نهاية.

ولم يخطر ببال الطفلة الموصلية أن ملامح وجهها ستَبْرع في رسم مشاعرها المتناقضة وهي تسير مهجّرة في مهجة الصحراء، فلا تدري هل هي تبتسم، أم تعتب، أم تداري الدّمع، أم تكبت القهر، وعلى عكس توقعاتنا هذه المرة، لم تنسدل أجفان أطفال سوريا في القصف الكيماوي الأخير على إدلب، لتستريح ضمائرنا أنهم خلدوا إلى نومٍ أبدي، بل يحملقون بنا ملءَ الأحداق لنرى صغر حجمنا في مرآة عيونهم، أطلقوا ما شئتم من المسميات على المليشيا والجماعات الخارجة على القانون والأنظمة المستبدّة، سيبقى الإرهاب واحد، لا دين له ولا ملّة.

ثمّ من قال أن ثورتي محتكمة لبأساء أو ضرّاء أصابت مسقط رأسي، وما السرّ في فيض الأحاسيس التي لا يستثيرها إلا مُصابٌ جلل ألمّ بأهل ديانتي، بل وكيف وصلنا إلى هذه البراعة في تقنين مشاعرنا، ونحن نقطن قرية صغيرة حدودها سائبة ولا يخفى علينا فيها شيء، عن نفسي فديانتي الإسلام، ومفهومي للإسلام لم تشكّله الأعراف السائدة والأقاويل المغرضة التي تؤطر واسعاً وتضيّق فضاءً رحباً، إسلامي استقيته من بين دفّتي محكم التنزيل، وأحاديث الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلّم، وقصصه وسيرته الذاتيّة، إسلامي أستنطقه من أفواه مؤلفات مصطفى محمود وسيد قطب ومصطفى صادق الرافعي والشعراوي وغيرهم من أصحاب الفكر المعتدل الذي لا يناقض بأيّ حال ما ورد في مصادر الشريعة السمحة، ولا يشوبه خطاب التمييز العنصري، إسلامي عرفته من قولِه عليه الصلاة والسلام: "من آذى ذمياً فأنا خصمه" رواه أبو داوود.

عالمية الرسالة التي جاء بها الإسلام تشدّ الوثاق على الرابط الذي جمعنا على أرضٍ واحدة، وتحت سماء واحدة، ألا وهي الإنسانية، ففي قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"، ولم يبعث نسائم رحمته لدمٍ أو عرق أو قطرٍ بعينه.

إسلامي عرفته من أدبيات الخلاف والحوار، والحرب والسلام، التي علمنا إياها وحي السماء: "لا تُغْرِقُوا نَخْلا، وَلا تَحْرِقُوا زَرْعًا، وَلا تَحْبِسُوا بَهِيمَةً، وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا، وَلا صَبِيًّا صَغِيرًا …،" إسلامي شرّع لي أبواب التواصل والتعاطف والاهتمام بقضايا من أختلف عنهم جملة وتفصيلاً بنصّ قرآني: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8)، " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13)، إسلامي علمني أن الكرامة التي حباني بها المولى مسألة إنسانية، "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: 70)، وليس مسألة عرقية أو طائفية ولا حتى دينية، إسلامي عرفته من حكمة النجاشي بعد استقباله الصحابة المهاجرين من بطش قريش في مكّة، واستماعه لردّهم على تساؤلاته، فقال: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة." 

عالمية الرسالة التي جاء بها الإسلام تشدّ الوثاق على الرابط الذي جمعنا على أرضٍ واحدة، وتحت سماء واحدة، ألا وهي الإنسانية، ففي قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107)، ولم يبعث نسائم رحمته لدمٍ أو عرق أو قطرٍ بعينه، ولم يبدأ رسول الله محمّد، صلى الله عليه وسلّم، أهم خطبه وآخرها في حجّة الوداع، بــ "يا أيها المؤمنين"، بل أكد على عالميّة الرسالة المانعة الجامعة للإسلام بقوله: "يا أيها الناس، ألا إنّ ربّكم واحد" ليمتدّ الخطاب إلى مساحات كونية أبعد بكثير من مفاهيم بعضنا الضيقة.

تعددت الأقطار، وانشطرت البلدان، وتفرّعت الطوائف، وانشقّت الأحزاب، والأصل واحد، "كلّكم لآدم، وآدم من تراب" كما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فلا كرامة لأحد على أحدٍ إلا بالتقوى، ولا أظنّ أن القتل والتهجير والسبي من التقوى في شيء، ولا أظنّ كذلك القصف والدمار ووضع النقاط المستهدفة والمدنيين في كفّة واحدة من الإنسانية في شيء، لتصبح الأنظمة القاصف والمتطرّف المقصوف وجهان لعملة واحدة، ألا وهي الإرهاب.

مقاييسنا الإنسانية لا ينبغي أن تتغير، سواءً تجاه الضحايا المدنيين جراء استنشاق الغاز السام في (خان شيخون) الذي وصل إلى ما يربو على الـ100، أو ضحايا التفجيرين الإرهابيين في (كنيسة مارجرجس) بمدينة طنطا والكنيسة (المرقسية) في الإسكندرية الذي وصل عددهم إلى حوالي الـ 100 كذلك، على إنسانيتنا أن تتحرّك للحدثين وغيرهما بنفس الدرجة وذات المقدار، ولنضرب بعرض الحائط وندحض كل المحاولات الجاهدة لتبديل الحقائق وتأويل المعتقدات وتشويه فطرتنا ليزداد شتاتنا وضياعنا عن آدميتنا ومقاصد شرائعنا التي اتفقت على أن "جنسيتنا الحقيقية هي الإنسانية" كما قال هربرت جورج ويلز.