شعار قسم مدونات

بين استبدادين

blogs - جنود
ما الأصلح للشعوب على المدى البعيد! الاستبداد مع حفظ الأمن ظاهرا، أم الفوضى؟! وحين أذكر الاستبداد أعني به الاستبداد المعاصر الذي يحمل معه معاني الظلم والطغيان والتجبر، والذى يفضي إلى الفساد في شتى مجالات الحياة. هل مقتل عشرات أو مئات الآلاف في شهور قليلة خلال الفوضى التي تتبع الثورات ثمن باهظ جدا! الأفضل أن لا يوضع في الحسبان أصلا؟ أعلم أنه سؤال في ظاهره غير إنساني لكن الإجابة عليه مهمة لمن يملك قرار المقاومة من عدمها. في المقابل هل الأفضل تحمل حكم المستبد بكل ما يحمله من إذلال وقمع وتخلف لا يخفى على أحد؟ أتذكر إحصائية تقول إن ضحايا الاستبداد في العالم خلال القرن العشرين وصل إلى 170 مليون قتيل!

لا ريب أن الاستبداد الذي نعيشه اليوم في العالم العربي من أكثر المصائب التي ألمت بالمسلمين في العصر الحديث، فكل ما تمر به الأمة من تخلف على جميع الأصعدة واحتلال لبعض أراضيه هو نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لهذا النوع من الاستبداد. وربما يشبه الاستبداد المعاصر ما كان عليه ملوك الطوائف في الأندلس، مع فارق التفوق الحضاري لصالح المسلمين في ذلك الوقت. أما اليوم فلا تفوق عسكري ولا حضاري.

منذ أن تنازل الحسن لمعاوية رضي الله عنهما، وبداية سنة التوريث وحتى اليوم ونحن – المسلمون – نشكو من عدم وجود آلية لاختيار الحاكم سوى ما تعارف عليه الملوك والسلاطين من تسمية ولي للعهد وأخذ البيعة له عند توليه زمام الأمور، أو حكم المتغلب بالقوة العسكرية. وإن كان هذا استبداداً بالحكم في مجموعة من العصبيات – أمويين وعباسيين وغيرهم – وليس استبدادا في الحكم، فهل تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض كان شراً للأمة العربية والإسلامية؟ لست أميل للمثالية بالتالي، فالإجابة أن سيدنا معاوية رضي الله عنه فعل حينها الأصلح للمسلمين ـ حسبما أعتقد-. يقول بن خلدون: ولما كانت الرياسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية، ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتم الرياسة لأهلها. وهكذا كانت سنة الخلفاء والسلاطين والملوك منذ معاوية رضي الله عنه، وحتى آخر العثمانيين، فلا يزال العالم القديم يحكمه مجموعة من الأسر والقبائل التي استطاعت أن تحكم لامتلاكها أسباب القوة من عدد وعدة.

إن أبشع الاستبداد في تاريخنا إنما هو في هذه العصور التي غدت شرعية الحكم في العالم الإسلامي لا تستمد من الإسلام وأمته، بل من الولاء والتبعية للغرب.

هذا النوع من الاستبداد هو الذي حافظ على وحدة الأمة في قرونها الأولى ـ كما أعتقد ـ وحافظ على وحدة واستقرار ممالك عدة، وهذا ما أعتبره من محاسن الاستبداد ـ لو صح التعبيرـ ، وهذا الاستقرار السياسي النسبي هو ما هيأ الدول الإسلامية المختلفة لأن تزدهر فيها العلوم والفنون ومكنها أيضا من الحفاظ على مكانة قوية بين الأمم. 

ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر مثالين عن كيفية تعامل العلماء مع هذه الظاهرة في الماضي. الواقع أن أحدا من كتاب العصور الوسطى ممن تكلموا في النظرية السياسية لم يكن يستطيع أن يسقط من حسابه ضرورة المحافظة على أمن الدولة1. فمثلاً للغزالي رأيين، يقول:
"وإذا لم تتوفر الشروط في الإمام وكان قادراً على تأمين المعاش والمعاد، وتحقيق الأمن وعدم القتال والمحاربة ولم يكن عالماً ولكنه يراجع العلماء ويعمل بقولهم ففيه رأيان: أـ يجب خلعه واستبداله بمن يتوفر فيه جميع الشروط من غير إثارة فتن أو قتال. ب- يجب طاعته والقبول بإمامته، إذا خشيت الفتن والحروب".

نلاحظ أن الغزالي الذي عاش في عهد تسلط السلطنة السلجوقية على الدولة العباسية يعترف بالسلطة القائمة ـ بشروط ـ طالما أنها ترعى مصالح الناس. بل تولي أمر المدرسة النظامية التي أسسها الوزير نظام الملك أحد أبرز وزراء الدولة السلجوقية. نلاحظ كذلك كيف يستخدم بعض العلماء المعاصرين نفس المبررات لإسباغ الشرعية على المستبدين حتى وإن كان المستبد الحالى لا يشبه سلفه إلا في تفرده بالسلطة، ويرد الغزالي بصورة أوضح على سؤال قبول إمامة من لم تتوفر فيه صفة العدالة وغيرها من الصفات ويقول: "نعم، لأن الضرورات تبيح المحظورات فتقبل إمامته استمراراً لحياة العباد، وعدم تعطيل معاشهم".

وإذا تفحصنا هذا الاستبداد، وجدنا أنه قام على أسوأ ما جاءنا من العصر الحديث من مفاهيم وأفكار ومبادئ، وكذلك استورد أسوأ ما هو موجود أو قائم في العصور القديمة

أما ابن تيمية الذي عاش في ظل تشتت الأمة الإسلامية لعدة دول ودويلات بعد سقوط الخلافة العباسية فكان “يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه” ويتعامل مع الأمر الواقع. من الواضح لقارئ "السياسة الشرعية" أن ابن تيمية لا يتحدث عن دولة الخلافة أو دولة الإمامة، و إنما عن دولة الشريعة2 . ولم يكن في ظل موقف كهذا أن يحكم ببطلان نظام الدولة (…) لأن الحكم ببطلان نظام الدولة سيؤدي إلى انهيار دولة الإسلام القائمة آنذاك. ولعل حفظ الأمة من الفوضى عن طريق حفظ مكانة الشريعة لدى السلطان كان هو المسيطر على أفكار ابن تيمية.

تخلل التاريخ الإسلامي أمثال المستبدين المعاصرين لكن الغالب العام لم يكن كذلك ـ ولا أدعي إلمامي بالتاريخ الإسلامي ـ فازدهار العلوم والحضارات لا يحدث إلا في وجود حد أدنى من الحريات. أما استبداد العصر الحديث فيصفه الغنوشي ويقول: "إن أبشع الاستبداد في تاريخنا إنما هو في هذه العصور التي غدت شرعية الحكم في العالم الإسلامي لا تستمد من الإسلام وأمته، بل من الولاء والتبعية للغرب". إذا كانت هناك سمة وحيدة تميز الدول التى برزت في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية طيلة القرن العشرين فهي من دون شك سلطة تنفيذية لا كابح لها تهيمن على بقية الحكم ـ السلطة التشريعية والقضائية، ومن خلاله على المجتمع نفسه3. وفي أغلب الحالات تقريباً، نوعاً من الملكية تحت الوصاية الخارجية (…) ونموذج هذا النوع من الحكومة هو مصر، والسلطة التنفيذية/ الديكتاتور الذي وضع هذا القالب هو جمال عبدالناصر، وقد تم تطبيق النموذج بدرجات متفاوتة في سوريا والعراق وليبيا والجزائر وتونس، لنذكر الأمثلة الأكثر أهمية فقط4.

وإذا تفحصنا هذا الاستبداد (…) وجدنا أنه قام على أسوأ ما جاءنا من العصر الحديث من مفاهيم وأفكار ومبادئ، وكذلك استورد أسوأ ما هو موجود أو قائم في العصور القديمة5، فقد جمع بين تسلط استبداد العصر القديم واحتكاره للقوة، مما تسبب في ظهور كل الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات العربية ومساوئ الدولة الحديثة، ومنها القضاء على حرية وكرامة الإنسان، وهو ما لم يحدث مع مستبدي العصور القديمة. الاستبداد المعاصر ليس له كوابح كما كان حال الاستبداد القديم الذي كانت تكبحه أمور، هذه الأمور نتناولها في المقال القادم إن شاء الله.

المصادر:

1 تراث الإسلام (القسم الثالث): تصنيف: شاخت و بوزورث، ترجمة: د. حسين مؤنس، إحسان صدقى العمد، مراجعة: د. فؤاد زكريا ص42
2 النظرية السياسية عند ابن تيمية: كوناكاتا ص 147
3 سقوط الدولة الإسلامية و نهوضها: نوح فيلدمان ص 121
4 سقوط الدولة الإسلامية و نهوضها: نوح فيلدمان ص 122
5 الاستبداد المعاصر.. مصادره وهزيمته: غازي التوبة www.aljazeera.net

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.