بـَيت الغربـة

مدونات، الغربة

كل التغيرات الجذرية في حياتنا هي غربة بحد ذاتها عن ذواتنا القديمة. إنها آخر خمسة أعوام مرت، كيف وصلت هنا؟ في كنف منزلٍ غريب، تجد نفسك محاطاً بأشخاصٍ جدد كلٌّ منهم محوطٌ بهالة تخصه، لا مجال للتأقلم السريع. فتأقلمك لن يأتي به إلا التنازل، تنازلٌ عن تفكيرك بالعودة لبيتٍ تعرفُ هالاتِ أصحابه، تنازلٌ عن رفضكَ محبةِ ما آلت إليه الأمور، وتنازلٌ عن حب أبغض الأشياء التي ترفض الاعتراف باشتياقها، هذا لأن ما بنته النفس واعتادت عليه في الأعوام التي مضت لن تقوى هدمه بسهولة.

باستمرار كنت تتذكر، تنام باكياً، تستيقظ مشتاقاً، وتعيش يومك بالياً هشاً. لكنك الآن تتذكر، تنام حالماً، تستيقظ مشعاً، وتعيش يومك مكافحاً لتصل لذلك الحلم الذي بنيته

ثم في النهار، أنت معهم لكن شيئاً ما يبقى منقبضاً داخلك، لا.. لن يحدث شيء اطمئن، كلُ ما في الأمر أن الصباح هنا مختلف، رائحة الجو، شعاع الشمس، وحتى طريقة مداعبة الهواء لك ستجدها خشنة، لكنه أمرٌ طبيعي، فالريح لا تعرفك، ستتعرفان لا تقلق، سترتبكان في أول حديث لكما، سيُخجلك أنك بُحت بأسرارك لها لكن مع الأيام سيداهمك الشوق في كل دقيقة تغيب عنها وعن مداعبتها. وأيضاً ستعتاد تلك الهالات ولن يُستطاب لك عيشٌ دون رؤيتها على الدوام!

أتى المساء، هذا أنت نعم، لم تتعرف على نفسك صحيح؟ لقد كنت مبتور الأحلام في ذاك الصباح، كنت تحتاج لبناء جديدها و البدء بإعماره، والآن أنت على النقيض، بتَّ قوياً وكل مساءٍ ستكون كذلك، لذلك لا تندب حظك، فأنت محظوظ، قوتك أنك خرجت من صراع الأنفس الدنيوي على حق ليس لها أساساً لتكسب صراع روحك إلى أمانها -الذي يمكّنها من ممارسة استخلافها دون روادع أو اضطراب-.

باستمرار كنت تتذكر، تنام باكياً، تستيقظ مشتاقاً، وتعيش يومك بالياً هشاً. لكنك الآن تتذكر، تنام حالماً، تستيقظ مشعاً، وتعيش يومك مكافحاً لتصل لذلك الحلم الذي بنيته. انظر لنفسك أصبحت أقوى، أسعد، أسلس، وأجمل. أين القباحة في كل ما سبق، أين قباحة الغربة إذاً؟ انظر لها، هيَ التي جلستَ ليالٍ تندب الوقت الذي خرجت فيه إليها، هي وحدها من نهضت بك، وحدها من تحملت ما ألقيته عليها من شتائمٍ ومع هذا ما بخلتْ عليك يوماً بالفرص -التي أتتك فيها-. أخبرني الآن ما زلت ترى فيها قباحة؟

تلك الليلة -ليلة أول عيد لك فيها- التي بكيت فيها حتى غططتَ في نومٍ لم يُخرجك منه إلا أصوات المعايدات. هذه الليلة هي من صنعت من روحك حامياً لك في كل الليالي التي مرت خلال هذه أعوام. هذه الليلة ومثيلاتها! أوجعتك بحق، نعم، لكنها قوّتك بقدر هذا الوجع أضعاف. لا تشتم غربتك ولا تندبها ، بل اشكرها، شكرٌ لكل لحظة شعرت أن قلبك سيتوقف من الحزن بل كاد يتمزق ولكل ساعةٍ لم تسلم فيها من الغرق وحيداً، ولكل حلم ضاع فيها وجعلتك تبني حلماً آخر بوعي وإدراك أكبَرَين وعلى كل فكرٍ جادٍ منحتك إياه. اشكرها وأَفرحها و جُدْ عليها بتلك النظرة القوية، فهي التي وهبتك إياها.