شعار قسم مدونات

الكبرياء الوطني

blogs - man
تعيش في وطن تريد أن تستنشق فيه عبير الحرية والكرامة، لكنك تستنشق فيه دخان المصانع التي تمص دم الكادحين والفقراء العابسين، وتخبرك وزارات الحكومة في البلد أنها تعمل جاهدة على النهوض بالأوضاع المزرية ومعالجة النقط السوداء، فتزكم رائحة الفساد المنبعثة منه أنفك، ظننت أن المشاريع التي يقدمونها للبلاد في مصلحة الشعب ورفاهيته، لكنها كانت مجرد مضخة أنابيبها موصولة ببنوك خارجية.

ما الذي مُنحتَ في هذا الوطن غير شبر من الأرض وبطاقة هوية، أما جواز السفر فملك الدولة، تمنحه لمن تشاء وتمنعه عمن تشاء، تراك ملكا لها لا تسمح لك بمغادرة أرضها، وإن وجدت مسلكا خطبت ود ما جمعت من عملة صعبة في بلدان غربتك، متناسين أنهم دفعوك لتركب فوق عجلات الشاحنات، أو تتجشم قوارب الموت، أو مكانا ضيقا في محركات السفن.

إنه سؤال يستوقفك كثيرا، أنت الذي أثخن فيك نظام الدولة الفاسد كل الجراح، هل ستدافع عن الوطن إن داهمك خطر ما؟ هل ستدافع عنه ليكون مرة أخرى في يد الفاسدين؟

المهجّرون عن الوطن لا يحقدون عليه، ولكنهم يحقدون على أولئك الذين هَجَّرُوهم من ديارهم بعد أن أذاقوهم الويلات، وحُقَّ لهم ذلك.

سؤال كبير هذا الذي يطرح عليك، يجعلك تعمق النظر طويلا في ذكرياتك، هذا وطني، وأحبه، لا يمكنني تركه عرضة للخطر سواء من الخارج أو من طرف مفسديه من بني جلدته بالداخل. هذا جواب راشد، لقلب لم تدخل الضغينة والحقد على غير من يجب أن تكون عليهم تلك الضغينة وذلك الحقد.

لكن في المقابل علينا احترام أولئك الذين جُرِحَ كبرياء الوطن في دواخلهم وعمدوا إلى تمزيق أو حرق بطاقات هوياتهم أو جوازات سفرهم، ألم تروا أولئك الذين جرح الفاسدون كبرياء أنفسهم وامتهن كرامتهم فأحرقوا أنفسهم على أبواب إداراته ومعاونيه وجلاديه؟

أولئك الذين اختاروا أن يجعلوا دمهم وأرواحهم وصمة عار على جبين الظالمين، ولعنة تطاردهم إلى يوم الدين، شباب وشيوخ أحرقوا أنفسهم حين استعرت نيران الاحتقار والإهانة في دواخلهم وبانت شرارتها خارجا.

مهما حاولنا أن ندعوهم إلى عدم الحقد على الوطن الذي قدم لهم فيه الكثير من العفن، وفي آخر المطاف شبر وكفن، فلن نفلح في ذلك، لقد أشبعوا ليس حقدا ولا كرها، ولكن بجرعات المهانة على أيدي من يريدونهم أن يكونوا عبيدا تحت الخدمة، أو على الأقل رعايا تحت السيطرة، لا مواطنة في هذه البلاد، فليس هنا وطن هنا فقط حظيرة محاطة بسياج.

كبرياء الوطن المجروح في دواخل الكثيرين منا، لا يضاهيه شيء سوى كبرياء النفوس المخنوقة والمسحوقة تحت أحذية المستبدين والمفسدين، متى تخلصوا من ربقته، وتنفسوا عبق الحرية، أحسوا بنعمة الوطن الحاضن لأبنائه أكثر، وتمنوا لوطنهم الخير العميم، لأنه محفور في قلوبهم مهما تباعدت الأميال والسنين.

ولن ينسوا يوما بأنهم مجرد مهجرين وغائبين عن الوطن تاركين خلفهم آباءهم وإخوانهم وأصدقاءهم، إنهم لا يحقدون عن الوطن، ولكنهم يحقدون على أولئك الذين هَجَّرُوهم من ديارهم بعد أن أذاقوهم الويلات، وحق لهم ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.