شعار قسم مدونات

القانون والمجتمع: من الاتصال الآلي إلى الوصل الروحي

blogs - قانون

للقانون مجاله المادي، الذي ينظم العلاقات داخل المجتمع، وهذا المجال المادي المذكور، يوقع اتصالا آليا بين القانون والمجتمع، أي اتصال القانون كوسيلة بمضمون، مرتبط بالتنظيم والضبط وحل النزاعات، فيقوم هذا الاتصال الآلي بإنشاء أو تعديل أو نقل الحقوق، فيجبر الضرر ويعاقب أصحاب الأفعال التي جعلها هذا القانون محرمة على المجتمع.

لكن الحاصل من هذا الاتصال الآلي، هو انفصال القيمة على القانون، وتجريده من الأخلاق، والفصل التام بين الجانب الآمري (القانوني) والجانب الأخلاقي، "فالنظرية الوضعية تتبنى الانفصال بين القانون والأخلاق، بحيث لا يتضمن في محتواه عناصر أخلاقية"(1)، إن الجانب الآلي والوضعي في القانون لا يضع العدالة كهدف في حسبانه أثناء صياغة النص أو أثناء تطبيقه، بل إن "التصور اليوناني (وهو التصور المتوافق كثيرا مع القانون الحديث هو) أبسط (من التصور اليهودي)، حيث كان هناك شعور قوي بالتزام الإنسان الأدبي بإطاعة قانون الدولة حتى ولو كان مؤمنا بأن قانون الدولة خاطئ أو غير أخلاقي" (2). لقد كان سبب هذه النظرة اليونانية الجافة للقانون، اهتمامهم بالمنطق الصوري الذي يحول الإنسان إلى جهاز عقلاني مجرد وفوق العادة.
 

لما كان العدل والإحسان جزء من قيمة الإنسان، لذلك فلا يجب أن يكون القانون خاليا من قيمة العدل، وقد تكون عدالة قانونية نسبية، إلا أنها عدالة كائنة

والبناء المنطقي الصوري على أهميته في تنظيم العقل القانوني، إلا أنه يحول القانون إلى مجال ميكانيكي فتزيد مسألة الاتصال الآلي بين القانون والمجتمع، فيلغي العاطفة والروح ومسألة القيم المتجذرة في الإنسان، فيكون النص معبرا عن جانب مادي يموت فيه الاتصال الروحي بين القانون والمجتمع، وبذلك يصبح: "القاضي لا يقوم إلا بتطبيق ما يوجد بين يديه من النصوص القانونية، إنه ينفعل بهذه النصوص ويفعل بها من خلال ما يتعرف عليه منها ويُعَرَّف به بالاستناد إليها؛ وبهذا الفعل والانفعال يتحقق ما يسمى بالاستقرار أو الأمن القانوني(3). وهذا الأمن القانوني في كنهه هو تصور ضبطي لا يهتم بالعدالة.

ولما كان العدل والإحسان جزء من قيمة الإنسان، لذلك فلا يجب أن يكون القانون خاليا من قيمة العدل، وقد تكون عدالة قانونية نسبية، إلا أنها عدالة كائنة، أو كما صاغها جون رولز العدالة كإنصاف وهي "تتيح … صياغة مفهوم بديل للعدالة … (مخالف لما هو موجود) في مذهب المنفعة وفي الوقت نفسه إيجاد أساس أخلاقي أكثر ملائمة للقانون من سواه لمؤسسات مجتمع ديمقراطي حديث …" (4)

يصور الروائي فرانز كافكا في قصته القصيرة الشهيرة والمعنونة ب"أمام القانون"، ومن بعدها روايته "المحاكمة"، قصة العلاقة بين الإنسان والقانون، ذاك القانون المصور رمزيا بأنه باب مفتوح على مصراعيه، يريد أن يدخل منه ذلك الريفي العجوز، فيصده حارس القانون، ويقترح عليه امكانية الرجوع مرة أخرى للمحاولة، ينحني العجوز للنظر إلى داخل الباب، يضحك البواب ويقول له: " … إذا كانت لديك رغبة شديدة في الدخول، حاول ذلك رغم أنني أحول دون ذلك، لكن انتبه أنا قوي، كل واحد منهم أكثر قوة من الآخر. إنني لا أتحمل حتى نظرة واحد .."، والعجوز " … القادم من الريف لم يتوقع هذه الصعوبات: وحسب تفكيره يجب أن يكون القانون متاحا للجميع …" (5).

في حقيقة الأمر إن كافكا يضعنا أمام صورة للانفصال الروحاني بين القانون والمجتمع، خصوصا إذا كان هذا المجتمع غير واع بمسألة القانون، يطرح هذا المنع من الدخول للقانون، عنصر الزمن والتقنية في القانون، المقيد للحقوق، والمقيد للطلبات القضائية، فالباب مفتوح لكنه لا يقدم الفاعلية الروحانية، لا يحس المجتمع أن القانون الحديث يمثله، أو يحميه، القانون موجود، لكن المجتمع لا يقترب منه، إلا إذا كان بمناسبة الضرورة، فيلجأ إليه، وهو يعلم مسبقا أنه أمام باب مفتوح (أي مطبق) لكنه مجال غير محسوس لذا المجتمع، لأن الأخلاق عنصر غائب في القانون كنص وكمؤسسة، يكتب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا – أحد أهم من فسر هذا النص الأدبي الرمزي – حول هذه القصة: " … بأن القانون، يحفظ نفسه من دون أن يبقى محفوظا من قبل حارس يحفظه، حارس لا يحفظ شيئا، يبقى الباب مفتوحا، ولا يفتح على لا شيء …".

لقد وضع الحارس – بعد أن منع العجوز من الولوج إلى القانون – رهن إشارة العجوز كرسيا يجلس عليه إلى أن يتمكن من الدخول إلى القانون، والكرسي يمثل الضمانات والإشارات الإيجابية المتواجدة في القانون، تعطي للمجتمع أملا في الولوج إليه، إلى فهمه، ثم يلج إليه، فينال المجتمع مراده من القانون بصعوبة، لكن يبقى القانون مجال غير مفهوم.

اختار كافكا نهاية اغترابيه لعلاقة العجوز (المجتمع) مع القانون، موت العجوز وهو ينتظر دخوله من باب القانون، يموت بعد أن حاوره الحارس لآخر مرة، "…يرد الرجل: الكل يسعى وراء القانون، كيف أنه لا أحد سواي يطلب الدخول إلى المحكمة طوال هذه السنين العديدة؟ .. يصيح عليه: هنا لا يمكن لأي شخص آخر الحصول على إذن بالدخول منذ أن تم تخصيص هذا المدخل لك فقط، أنا ذاهب لأغلقه …"

 

إن القانون في نهاية المطاف هو ذاك الباب المفتوح على مصراعيه، ورغم انفتاحه المحتوم، إلا أنه صعب الاقتحام، إنه السم الذي يسري في العروق دون الإحساس بألمه، إنه الشيء الذي يحمل اللاشيء

يمكن فهم هذه الرمزية في ضوء المجتمع المغربي، ذلك المجتمع الذي يحمل في مضمونه التركيب، "… بحيث إن مفهوم النظام القانوني المغربي يوحي بأن ما يظهر أكثر أهمية، ليست هي الثوابت الأساسية لكل من هذه الأنظمة القانونية المشكلة له، وإنما علاقاتها التنافسية داخل نفس التشكيلة الاجتماعية ووظائف هذه التنافسيات بالنسبة للمجتمع ذاته …" (6)، لكن هذا النظام يحكمه القانون الوضعي، لكنه قانون كلونيالي في مرجعياته، يحاول أن يحمل لمسة إسلامية، وأن يظهر حسن نيته تجاه العرف. والشريعة الإسلامية والعرف هما ملاذ المجتمع الأخير، ليحتمي بمهما من النزعة التوحيدية التي يشنها القانون عليه. فالشريعة الإسلامية نظام أخلاقي وقانوني، لها جانب روحي، فيأخذ المجتمع من القران الكريم طاقة روحية، ويأخذ منه نظام قانونيا متماسكا ومنفتحا عبر الزمن، وسنة محمد (صلى الله عليه وسلم) منهاج نبوي له حمولة روحية وقانونية أيضا.

لقد حاول المخرج التونسي ناصر لخمير أن يظهر علاقة القانون بالمجتمع العرفي، برمزية معقدة، في فلمه (الهائمون في الصحراء، 1985) لما جاء ضابط من المدينة إلى قرية صحراوية تملؤها العادات والخصوصيات والأعراف، ليحقق في اختفاء معلم، فاصطدم هذا الضابط الممثل للقانون مع قصة عرفية تحكي أن أبناء القرية يهيمون في الصحراء، وأن المعلم تاه معهم أيضا بعدما جاءت عجوز فأخدته معها، وأن أصما يبحث عن الكنز منذ خمسين عاما، لم يستطع الضابط (القانون) تصديق هذه القصة، ولم يستطع فهم المجتمع القروي العرفي الصحراوي، فذهب في ليل مظلم وهو يتوعد القرية بالقانون، إن القانون في نهاية المطاف هو ذاك الباب المفتوح على مصراعيه، ورغم انفتاحه المحتوم، إلا أنه صعب الاقتحام، إنه السم الذي يسري في العروق دون الإحساس بألمه، إنه الشيء الذي يحمل اللاشيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- روبرت ألكسي، فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، ص. 21

2- اللورد دينيس اللويد، فكرة القانون، ص. 56

3- حمو نقاري، من أجل تجديد النظر في علم أصول الفقه من خلال منطق القانون، ص. 17

4- جون رولز، العدالة كإنصاف، إعادة الصياغة، ص. 231.

5- فرانس كافكا، أمام القانون

6- نجيب بودربالة، القانون بين القبيلة والأمة والدولة، ص. 232

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.