شعار قسم مدونات

الظل العظيم

blogs صخرة

طلعت شمسُ نهارٍ جديد، وبدأت الكائناتُ تستقبل أرواحها مجدداً لتعمر جنبات هذا الكون وتبث الحياة في أرجائه بأصواتها وألحانها وتسبيحها. هناك انتصبت تلك الصخرةُ الشمَّاء عالياً بشكلها الغريب وخلقها العجيب وكيانها المعجز. لمَّا يحدد أحدٌ ممن درسوها ومَحَّصُوها كيف تكونت، أو بأية آلية نُحتت، حتٌ وتعرية؟ زلزالٌ عظيم؟ أم أنها ها هي ذي كما كانت أولاً عندما خُلقت بكن فيكون؟!

في باكر الصباح مَرَّ أحدٌ ممن يمرون بجانبها، وقفَ حذاءها وأطال النظر فيها وحولها ثم تابع سبيله. ثم بُعيد الضحى مَرَّ آخرُ من قربها، وكما كُلُّ المارةِ، تأمل في إعجازها ودار حولها ثم حث الخطى حيث هو ذاهب. وعند منتصف النهار كانت الصخرة على موعدٍ مع ثالثٍ استوقفهُ بهاؤها وأبهره كبرياؤها، بحث عن ذات اليمين ونظر عن ذات الشمال ثم غادر المكان. قبل غروب الشمس، والهدوء والسكينة يخيمان على المكان، كان أحدهم قد تسمر جانبها، هزَّ رأسه وابتسم مصدقاً كلَّ ما قرأ عنها ومؤمناً بكل ما قيل عن جبروتها. ثم جنَّ الليل وانفضَّت معظمُ الكائنات إلى مهاجعها، لكنَّ تلك الصخرة أبتْ كما كل ليلة إلا انتصاباً. عابر سبيل آخر مرَّ من أمامها، بدت له وبدا لها ثم تابع المسير.

فيما بعد عندما اجتمع أولئك القوم. قال أوَّلُهم الذي مرّ في الصباح: "إنها لصخرة عظيمة لا شك، دَلَّني على ذلك ظلها، لَأنه يمتد أضعاف قدها باتجاه الغرب. إني بذلك من المصدقين". نظر رجل الضحى إليه باستغراب وقال: "لا شك في بهائها وإعجازها، لكن ظلها بالكاد ينوف عن طولها قليلاً بين الغرب والشمال قليلاً، وعلى ذلك إني لمن الشاهدين". نظر رجل منتصف النهار إليهما وكله عجب ثم قال: "لتنطقان الحق أو لتصمتان، ما أراكما إلا ضالَّين مُضِلَّين قد زاغت قلوبهما فعشت عن رؤية الحق أبصاركما، إني مررت بقربها وتأملت ثم نظرت وتمعنت فما رأيت لها ظلاً أبداً، ولتحل على اللعنة إن كنت من الكاذبين".

 

عندما يعود أولئك الرهط إلى صخرتهم وظلها ويمضون يوماً كاملاً واحداً بقربها وبقرب ظلها ليعلموا عندها من قال حقاً ومن زاغ عن الهدى

قاطعه صاحب الغروب بغضب وقال: "إني أصغر منك سناً وأحدُّ بصراً وإني قد رأيت ظلها طويلاً عظيماً ممتداً باتجاه الشرق". لم يستطع زائر الليل أن يسكت أكثر وقال أنه ما رأى لها ظلاً أبداً وأنه غير ذلك لا يكون، وطفق كلٌّ يقول ما يرى ويدعو لما يؤمن به ويقسم أنه يعلم كنه الصخرة وظلها، بعضهم قرأ وبعضهم سمع، آخرون شاهدوا ومنهم من يظن ومنهم من لم يحسم أمره بعد، مبادئ شتى وعقائد قددا، جمعت بعضهم وفرّقت آخرين.

 

وبعدد الصخور وظلالها وأوقات النهار ومواقيت الشمس فيه يظل زوار الأماكن وعابرو السبيل ينقلون حقائقهم وينشرون مشاهداتهم، يعكرون صفو الحقائق البسيطة الواضحة المسلّمة ثم يشوشونها أكثر حتى إذا كادت تضيع وغاصت في دهاليز وبلغت من التعقيد كل مبلغ عادت حقائقها لترتصف وتنتظم وترسم صورة الحقيقة الأولى بسيطةً واضحةً مسلماً فيها، عندما يعود أولئك الرهط إلى صخرتهم وظلها ويمضون يوماً كاملاً واحداً بقربها وبقرب ظلها ليعلموا عندها من قال حقاً ومن زاغ عن الهدى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.