الظاهرة الأردوغانية والمحكومون بذاكرة العواطف

blogs - turkey

يندفع كثر من محبي نقد بعض الخطوات التي يسير عليها الأتراك متمسكين بكم من المثاليات التنظيرية التي لم يلتزم بها الغرب نفسه، ويغادر كثير من مفرداتها عندما يتعلق الأمر بمصالحه، نستقرئ ذلك من خلال مواقف الغرب الملونة من الأحداث العملاقة التي تشهدها المنطقة والتي تصدر منه بمكاييل عدة وفق ميزان المصالح خاصته.

وكمية الانفعالات العاطفية التي تصدر عنا نقيسها على المثاليات والشفافية المسجلة في المدونات وهي تدل على سطحية شديدة وجهل بالعالم كيف يدار.

كيف تمكنت تلك الدول العظمى من امتلاك تلك العظمة واحتلال السيادة العالمية التي لم تمنحها إياها سوى ذلك التفكير الطموح الذي يجيد قراءة الحسابات بطريقة رقمية مختلفة، لا تتقنها الآلة الحاسبة ولا تعرفها عمليات الرياضيات المتعددة.

فقائمة الدول التي تميل إلى تصفير الملف الخارجي بدعوى أنها لا تود صناعة أعدائها، وتريد العيش بسلام دول لا تؤثر على ظهر الكوكب وإنما هي مجرد دمى فاخرة يتحكم بها الأقوياء ويديرون ملفاتها شاءت أم أبت.

إن تاريخ الأتراك يروي فصولا أخاذة منحتهم إياها هضاب الأناضول، وأسالوا المحلل التاريخي وأستاذ علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون ليكمل لكم التفاصيل.

ها هي كوريا الجنوبية تعيش أقوى اقتصاديات العالم لكنها تعيش الضعف الذي عاشه أبو طالب عند اجتياح قوى الأشرم للكعبة، وتستعطف الأقوياء لنجدتها من بطش جارتها الشمالية، ولو كانت تملك ما يحمي نهضتها لتغيرت لهجة التهديد.

حدثنا التأريخ، أن الدول العظمى لا تكتسب عظمتها إلا من خلال قوة الصمود الأسطوري أمام الأحداث الفجة، والجراحات الدامية، وعندها يولد المارد العنيد ويحتل موقعه بين الأقوياء.

وإن الحضارات العملاقة تولد في اللحظات الفارقة وإذا تهيب أصحابها من لحظات المخاض فلن تولد أبدا.

إن تعاملنا اليوم مع العواطف بنوع من الإفراط والتسامح أودى بنا وتمكن الآخرون من الإجهاز علينا من خلال تلك الحملات الإعلامية العملاقة التي تستهدف عواطفنا وتستفزها وتجعلنا نغادر عقولنا، لنسمح لتلك العواطف الملتهبة بالتصرف واتخاذ القرار.

عندما فاز حزب "الحرية والعدالة" بمصر في الاستحقاقات الانتخابية من رئاسة وبرلمان ودستور سلط الإعلام السياسي الفاجر هجومه على عواطفهم ليمنحها سلطة اتخاذ القرار وظل الإعلام طوال تلك المرحلة يتحدث عن "أخونة الدولة" التي صدقوها، فلما أصبحنا على ذلك الانقلاب المبين تبين للعالم أنها مجرد كذبة إعلامية صارخة يراد منها دفع عواطفهم الجياشة لنفيها فعليا، والابتعاد العملي عن ممارستها والظهور بمظهر النزيه الذي يتحرى الصدق وينفي عنه التهم، وبالتالي أبعدوا الكفاءات عن موطن القرار الفعلي ليحافظوا على نزاهتهم ومثاليتهم، وبقيت تلك المعاقل حصونا يملأها الفاسدون.

وبلع الجميع الطعم السام الذي أنتجته تلك المطابخ التي تمارس السياسة كما يمارسها العالم بعيداً عن المثاليات التي ما برحنا جميعا نرددها ونتحاكم إليها جهلا بالسياسة في نسختها اليوم.

أما في التجربة التركية فلم تتمكن تلك الفقاعات الإعلامية المنفوخة بمهارة من التأثير في صناع القرار التركي عقب الانقلاب وبعيد الاستفتاء لسبب بسيط؛ أن الأتراك لا يستخدمون عواطفهم كما نفعل نحن وإنما يستخدمون أسلوب الطرف الآخر بحذافيره، ويسيرون كما تسير أوروبا وفق قاعدة السياسة المتبعة التي لا تعرف العواطف، وبالتالي لا تتأثر قراراتهم بالحملات الإعلامية الموجهة، ويجتازون عواصفها بالقدرة على الصمود، والتقدم إلى الأمام.

في الظاهرة الأردوغانية، طرد أردوغان كميات العواطف التي تغلي بداخلنا واندفع بقرارات حاسمة وخطوات قاسية عقب الانقلاب وأثناءه، وتوعد بأحكام الإعدام وأصر على النظام الرئاسي، وصوب وجهته باتجاه قادة قضوا نحبهم على نفس الطريق ولم يبالي، حتى خرج علينا أولئك المثاليون برفض الدكتاتورية الجديدة ونبذ الاستبداد، وما علموا أنهم ما اكتسبوا السياسة إلا من بطون الكتب وأكاديميات الجامعات أما الواقع فشيء آخر لم يمارسوه.

قديما خرج النبي نوح عليه السلام بسفينته يواجه بها العواصف والأعاصير، وتعرض لحملة إعلامية مشابهة، محملة بالسخرية مما يفعل وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، فحذره ربه من الاستسلام للعواطف والاستماع لها وقال له: "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون".

فعواطفنا نقطة ضعفنا ونحن نحاكم الآخرين بتشنج إليها ونحرص على النزاهة التي لا يعرفون، ونصارع أحزابا ودولا لا تعترف بالدرس الديمقراطي الأصيل سوى ما يحقق مصالحها وتلقي بالقيم جانبا.

رأيت أطنان الاستنكار من بعض الإسلاميين وإعلاميهم على نتائج الاستفتاء وقال أحدهم: "كيف سيحكم أردوغان بدستور نصف الشعب يرفضه؟"، وإنما القول ذاك نتاج عاطفة تدفع تلك الآراء بقوة إلى السطح وتنتجه مصانع المثالية في الداخل، وكأنه تناسى كيف يحتكم العالم كله إلى مثل هذه النِسب؟ بل كيف تحكم بعض الأنظمة عالمنا العربي بواحد بالمائة لا غير.

أجمل ما في الفريق التركي الذي يدير لعبة الصعود الضوئي اللافت، أنه يسير وفق تلك المقاييس الأوروبية والغربية لإدارة الدولة وبنفس طريقتها، والتي منحته انتصارات حسوما، على الأقل في هذه المرحلة وأمام تلك السياسات التي لا تعرف سوى ذاك.

ومن يستدعي التأريخ بقوة يجد أن القيادة التي تهرب إلى الأمام وتجيد استثمار الفرص واللعب المماثل للخصم هي القيادات التي صنعت أمجاد شعوبها وقفزت طفرات عملاقة تناطح الكبار.

وتصفحوا تاريخ روسيا، أميركا، بل أوروبا كلها مرت بنفس المسار، وبنى "جنكيز خان" إمبراطورية "المغول" التاريخية فكانت أولى دروسها التي حفّظها "جنكيز" أتباعه أن يتركوا العواطف عند مواجهة العواصف.

لا أدعوا إلى التحول إلى وحوش لا تعرف القيم الإنسانية وقواعد التعامل الديمقراطي المثالي، ولكن ما أود قوله هنا أن المناورات السياسية أصبحت تتعامل وفق هذه المفردات ولن تتمكن من نشر قيمك على ظهر الكوكب، إلا أن تناور وتجيد قواعد الاشتباك وتحسن المصارعة بنفس طريقتهم التي يستخدمون،  حتى تنظف الكرة الأرضية من تلك الأوساخ.

وإن تاريخ الأتراك يروي فصولا أخاذة منحتهم إياها هضاب الأناضول، وأسالوا المحلل التاريخي وأستاذ علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون ليكمل لكم التفاصيل.