شعار قسم مدونات

الصين والانفتاح المدروس

blogs علم الصين

في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان بلاط إمبراطورية تشينغ 清朝 يواجه تحديات صعبة في الحفاظ على استمرارية الحكم، حيث أصبحت الصين في مرحلة ضعف سياسي بعد أكثر من أربعة آلاف سنة من الاستقلالية والفوقية. ففي الثقافة الصينية، يعتبر الإمبراطور التمثيل الإلهي في الأرض، والأمة الصينية هي أعلى الأمم، لذلك كان اسم الصين "المملكة الوسطى"中国.

أحد أهم أسباب هذا الانغلاق كان اعتقاد الأمة الصينية أنها تضيف للحضارة ولا يُضاف إليها، وقد كانوا على حق لفترة من الزمن. إذ أن المساحة الهائلة للأرض الصينية ووفرة الموارد الطبيعية والقوة العاملة، واعتناء الأباطرة بالفن والثقافة والأدب والموسيقى ساهمت كلها بشكل فعال في اكتفاء الصين ذاتيا من كل هذه العناصر، فلا حاجة لها للغير.

لكن حالة الضعف التي بدأت تتسلل للمملكة الوسطى ألقت بظلالها على المشهد السياسي هناك، فبدأت السواحل الصينية تمتلئ بالتجار الغربيين الآتين من الدول المستعمرة، وبدأت تلك الدول بالضغط على البلاط الإمبراطوري لإعطائهم امتيازات تجارية أكبر، وكذلك طلب تمثيل دبلوماسي لتلك الدول في البلاط. لم يكن الإمبراطور متجاوبا مع تلك المطالبات، وكان ينظر لها بعين الريبة، إذ طالما اعتبر الصينيون الأجانب "برابرة" لا يفهمون شيئا، لذلك كان البلاط – رغم ضعفه في ذلك الوقت – دبلوماسيا بامتياز في مماطلته وتسويفه عندما يتعامل مع الغربيين. 

كان البريطانيون في ذلك الوقت قد استعمروا الهند، وقادهم حماسهم للإبحار لشواطئ الجنوب الصيني، خصوصا مقاطعة قوانقدونغ 广东 التي تحوي مدينتي قوانقجو 广州 (يسميها العرب القدماء خانفو) وهونج كونج 香港 الساحليتين لأهميتهما التجارية وموقعهما الجغرافي. وذهب وفد من البريطانيين للقاء الإمبراطور للمناقشة طلبات بريطانيا منح امتيازات تجارية أكبر لتجارها، وتمكينهم من التحرك بحرية في الصين، وكذلك فتح ممثلية دبلوماسية للمملكة المتحدة لدى البلاط.
 

نحتاج فعلا للتعلم من تجارب الحضارات الأخرى، وأن ننظر للماضي بعين النقد لا بعين التقديس، عندئذ سنستعيد موقعنا بين الأمم، فقد خلقنا الله لنكون شامخين بين الأمم، ونكون مساهمين دائما في رفاهية شعوبنا وشعوب الإنسانية جمعاء

لم يكن الامبراطور متحمسا لانفتاح كهذا، فهو يشك في نوايا "البرابرة" ولا يثق في طلباتهم. لذلك ماطلهم كثيرا حتى يئس البريطانيون من تحقيق متطلباتهم. لكن الأخيرين لم يستسلموا، وهددو بضرب بكين 北京 بالأسلحة، وقوانقجو وهونغ كونغ بالمدافع المحمولة على سفنهم. لم يهتم البلاط كثيرا بهذه التهديدات، لأنه ببساطة لم يستوعب مقدار التقدم العسكري الذي وصل له الغرب في ذلك الوقت. لكن البريطانيين نفذوا تهديدهم، فضربت المدافع المدينتين الساحليتين، ولم يكتفوا بهذا، بل قامو بجلب الأفيون ونشره بين أفراد المجتمع الصيني فيما يعرف تاريخيا بحرب الأفيون الأولى (كانت هناك حرب أفيون ثانية في 1860)، وقاموا أيضا باحتلال هونج كونج في 1841.

في 1911 تأسست الصين الحديثة (الوطنية في ذلك الوقت)، ثم جاء ماو تسي دونغ 毛泽东 وقضى على حكم الكومنتانغ (الوطنيين) في الحرب الأهلية الصينية، وأسس جمهورية الصين الديموقراطية الشعبية في 1941. أيقن الصينيون في الستينات والسبعينات من القرن العشرين أن الانفتاح على العالم أمر مهم جدا لنهضة الصين، خصوصا بعد عشر سنوات من الثورة الثقافية التي كانت علامة فارقة في تاريخ الصين، لذلك اعتمد الحزب الشيوعي الحاكم سياسة "الإصلاح والانفتاح" لتقنين انفتاح الصين على العالم وضمان الاستفادة من الخبرات التي يجلبها الأجانب للصين، وكذلك ضمان "تصيين" العلوم والتقنية لتناسب الثقافة والمجتمع هناك.

تجني الصين الآن ثمار هذا السياسة – رغم تشددها في حالات كثيرة – لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتصبح قوة سياسية مؤثرة على الصعيد الدولي. لقد تعلمت الصين الدرس بـ"الطريقة الصعبة" كما يقول التعبير الإنجليزي، لأنهم استثمروا أخطاء الماضي واستفادوا منها لبناء الصين القوية والمزدهرة.

نحتاج فعلا للتعلم من تجارب الحضارات الأخرى، وأن ننظر للماضي بعين النقد لا بعين التقديس، عندئذ سنستعيد موقعنا بين الأمم، فقد خلقنا الله لنكون شامخين بين الأمم، ونكون مساهمين دائما في رفاهية شعوبنا وشعوب الإنسانية جمعاء. والله المستعان وعليه التكلان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.