شعار قسم مدونات

الحوار معركتنا الحقيقة.. فهل نبدأ بخطوة؟

blogs - حوار
معاركنا الجانبية:
كثيرة هي المعارك التي نُقحِم بها أنفسنا، تبدد طاقتنا وتمتص من روحنا، وهي في الأصل معارك زائفة، نندفع إليها بكل أسلحتنا لنبرهن صحة رؤيتنا، ونَظل نقاوم حتى الرمق الأخير لننتصر في معارك خائبة لا نجني منها إلا خور قوانا، تدور بيننا خلافات عن هوامش الأمور، نرى على أنها معركه لا بد أن نحسمها لصالحنا، لنجد أنفسنا تائهين مُشتتين مُبعثرين بين التوافه، ونحن في الأصل نغرق في وحل الجهل، إنه أمر يثير السخرية حقا.
 
الإنسان مدني بطبعه، لذلك لا بد له من الالتقاء مع الآخر، والاحتكاك معه، فيؤثر الواحد منا ويتأثر بثقافة الآخر مع المحافظة على خصوصيته، وبدلا من الصراع والخصومات، يصبح حتميا علينا في هذا الوقت الذي يموج بكثير من التحديات أن ننشد الكشف عن مضامين مشتركة، في بناء العلاقات والقيم والتعايش السلمي والتقارب بين وجهات النظر المتباينة.

فلا يمكن القضاء على الأفكار المختلفة، سواء كان الاختلاف على أساس فكري أو أيديولوجي أو ثقافي أو غير ذلك، ولا يجوز التفكير بالقضاء على الأفكار المختلفة، حتى وإن تمكن تيار من هزيمة تيار آخر، فالنتائج التي تجنى من ذلك قصيرة الأمد، حتى لو استمرت مرحلة الهزيمة عقودا، فما يجري في فترة الشعور بالنصر والسيطرة على الوضع القائم زرع بذور نزاع سينفجر في وقت لاحق.

الحوار ثقافة!

التسوية في الحوارات لا بد أن تتضمّن تنازلات مُتبادلة واعترافاً من كل طرف بالآخر، ولن يكتمل معنى هذه الخطوة إلا بإشاعة الممارسة الديمقراطية في كلِّ مستوياتها ومجالاتها.

الحوار ليس جريمة، وكثير من القضايا الشّائكة يتم حلها بالحوار، ومن البديهي بالضرورة أن تتحاور مع الخصم والمُخالف، والذي في بعض المراحل قد نضعه ونصنفه في خانة العدو، لا بد أن نتحاور مع كل من حولنا، نتحاور مع الصديق والقريب والزميل ومع المخالف لنا، نتحاور كأفراد مع بعض ومنظمات وأنظمة، فالحوار دائماً يطرح كأحد سيناريوهات حل المُشكلة من بين سيناريوهات مُتعدِّدة في القضايا الخلافية أو أمر غير متفق عليها، ويتم اللجوء إليه لأنّه أقل الحلول تكلفة بشرية ومادية، خَاصّةً في النزاعات السياسية.

وأقصد هنا بالحوار التشاور، والتفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي والتعاطي الإيجابي والموضوعي والفعال، والقدرة على التعامل مع جميع الآراء الثقافية والدينية والسياسية، وتبادل الأفكار من خلال حوار إنساني متحضر، نتمكن من خلاله مواكبة ما يحيط بنا من متغيرات، فالاستقرار المجتمعي هو نتيجة حتمية للتعايش السلمي كفكرة وكممارسة.

فالحوار في أبسط صوره أن تُري محاورك ما لم يره، وأن يُريك هو ما لم تر أنت، وهو في هذا مضاد لمنطق المناظرات وإفحام الخصوم ومحاولات إقامة الحجة على المخالفين، تلك الأساليب التي تؤدي في أحيان كثيرة إلى تعميق البعد الواحد.

فالمقصد الأهم من الحوار، هو بناء ثقافة تقوم على رؤية تَسع المخالفين وتلتمس لهم الأعذار وتعطي لهم الحق في الاختلاف والحق في التعبير عن ذلك الاختلاف.

إن الإيمان بالحوار كأسلوب حضاري، هو الكفيل بتغييب الاتجاه إلى العنف في النفوس وبفضله يخفف الإنسان من غلوه وأنانيتة، ويتعلم أن الحقيقة لا يمكن أن تكون ملكا خاصا له، وفي الحوار يتعلم كيف يتنازل عن تعصبه لمعتقداته وآرائه، وعن تعاليه الذي يجعله يرى أنه الوحيد الذي يمثل القيم، وأن ذاته فوق الحوار والنقاش والتساؤل، لأن النفس التي تؤمن بضرورة الحوار ووجوب الالتقاء مع الآخر والتفاهم معه تترك دائما في داخلها هامشا للخطأ والصواب في الفكر الذي تحمله، لذلك لا بد من الاعتياد على الاختلاف في الرأي والأفكار، أولا كأفراد، وثانيا كأنظمة حكم، وهذا يحتاج إلى أسلوب حكم يعطي للفرد ما له مثلما يحدد ما عليه، ويحدد للحكومة ومؤسساتها أطرا تعمل ضمنها. لكن قد يثور الجدل حول التوقيت والظروف المُناسبة للحوار، ومدى استعداد الأطراف سياسياً ونفسياً لذلك. 

يمكن القول إن الحوار لا يمكن أن يقوم بقرارات أو أوامر من فوق، ولا يمكن فرضه بالقوة، فهو كالحب والصداقة لا يولد بالضغط ولا بالترغيب، إنما يولد بالتسامح والانفتاح.

كذلك قد يثور نقاش حول مَسألة توازن القوى كعامل مُهم في الحوار، فالحوار يقود بالضرورة إلى تسوية، وكلمة تسوية ليست إساءة، بل نتيجة منطقية لتعايش المشترك، ولا يُمكن أن تكون نتيجة الحوار إزالة الطرف الآخر، فلم يحدث هذا من قبل ولن يحدث من بعد، فالتسوية في الحوارات لا بد أن تتضمّن تنازلات مُتبادلة واعترافاً من كل طرف بالآخر، ولن يكتمل معنى هذه الخطوة إلا بإشاعة الممارسة الديمقراطية في كلِّ مستوياتها ومجالاتها، والقضاء على كلِّ أشكال التعصب، وإشاعة قيم التسامح والمرونة والانفتاح على الجديد، وتأسيس ونشر أخلاق الحوار، وممارسة حقّ الاختلاف، بصفته مبدأً أصيلاً من مبادئ الديمقراطية، وعلامةً دالَّة على حيوية الثقافة الصاعدة إلى الأمام، لا المنحدرة إلى الوراء.

التنوع والتعايش!
تنوع التيارات الفكرية في أي مجتمع هو الأمر الطبيعي، لا توجد مجتمعات متجانسة مائة من المائة، كل أفرادها يؤمنون بالشيء نفسه، ويتصرفون بالطريقة نفسها، لا أتحدث عن كل التيارات الفكرية بالمطلق، فهناك أفكار وتيارات فكرية عنصرية غير جديرة بالانتشار، ولكن الواقع يخبرنا أنها موجودة، والمهم أن يظل انتشارها محدودا، ومقياس الحكم على تيار فكري بأنه سيئ ليس الخصومة الفكرية، أو التنافس في حلبة السياسة على تأييد الجماهير أملا بالوصول إلى السلطة، بل مقاييس موضوعية، بعيدا عن التميز الطبقي والحق الإلهي، أو تفوق عرق معين على بقية بني البشر، بل بحق يمنحه الشعب ويسلبه الشعب وفق معطيات قانونية ومنطقية يتراضى عليها الجميع دون إرضاء طرف دون آخر.

باختصار، يمكن القول إن الحوار لا يمكن أن يقوم بقرارات أو أوامر من فوق، ولا يمكن فرضه بالقوة، فهو كالحب والصداقة لا يولد بالضغط ولا بالترغيب، إنما يولد بالتسامح والانفتاح على الآخر المختلف عنا واحترام وجهة نظره، وتفهمه وعدم رفضه، وقبوله كما هو وكما يحب أن يعيش وكما يرغب أن يكون، لا أن نجعله صورة عنا أو ندمجه فينا، وأن نبتعد نهائياً عن التمترس وراء آراء ومواقف واجتهادات مسبقة، وكأنها مقدسات ثابتة غير قابلة لإعادة النظر فيها أو النقاش حولها.

أن أسلوب الحوار عندنا وطرح قضايانا أمام الطرف الآخر، وطريقة ذلك، بحاجة إلى إعادة نظر وإلى اهتمام ذوي الشأن.. فهل نبدأ بخطوة؟