شعار قسم مدونات

الحب ملون

blogs - الحب

كما يفصل الوقت وقتا آخر. وتفصل المدن مدنا أخرى. هو الحب، يلون الوقت والمدن. يكسر قيود الوحدة لنبحث عن كينونتنا في داخله، عن أفكارنا وأحلامنا. فنتخيله كالحد الفاصل بين الموت والحياة، بل وأحيانا يتسلل إلينا في كل الأماكن فيتلون بأشكال الطرق يعبر أزقة المدن القديمة مبتهجا تارة، ويتكئ على خراب أحلامنا وآمالنا المؤجلة تارة أخرى.

في الحب تليت أعظم القصائد التاريخية، وأجمل الأشعار، وخرجت الكثير من القصص من رحم غيبوبة الواقع تجاوزت جميع حدود العالم بداية من أول عصور البشرية حتى يومنا هذا، وهناك حيث لا المكان يعبر عن معالمه ولا زمان يستطيع أن يسترجع آماله كان الحب مفتاح الشعوب والمحرك الأساسي للاستمرار. كان الطاقة الكامنة التي تشتعل حين تجد من يحفزها على الاستمرار. حتى في عصور الجهل والدمار هامت على قلوبنا قصص الحب بالأمل حتى أصبحت منهاجا تعليما يحافظ على التوازن بداخلنا. وأكبر مثال على ذلك المعلقات الشعرية، قصة روميو وجولييت، قيس وليلى… وغيرها الكثير من القصص التي كتبت ولم تكتب حتى.

أحيانا كثيرة ما يكون الحب هو الخروج من الواقع تماما إلى خيال يوازيه، فيتسلل إلينا ويبعث بداخلنا بصيص أمل ليمنحنا القوة رغما عن أنفسنا. فجميع تلك القصص التي استمرت كان مفتاحها الحب

يحب الأنسان لأن الحب حاجة فطرية لديه، فبعيدا عن القصص المؤلمة من حولنا وعن الكثير من العواقب الوخيمة التي تبوء بفشل المشاعر، فإننا نختصر جميع الأسئلة في هذا الدرب الطويل والشعور المختلط لنصل إلى تعريف العلماء له. على أنه شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، أو شيء ما، وقد ينظر إليه على أنه كيمياء متبادلة بين إثنين، ومن المعروف أن الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ "هرمون المحبين" أثناء اللقاء بين المحبين. وفي تفسير أدق فإن الحب هو الرغبة التي تقبع في العقل والقلب معا واختلاط الفكر والشعور معا وامتزاج المحبين فكريا وسلوكيا. وكثيرا ما نقف حين نحب على الحد الفاصل بين زمنين ومكانين مختلفين ليصبح هو يقينا للنجاح.

كثيرا ما أعود إلى قراءه أشكال الحب منذ بدأها حتى نهايتها فلا أجد إلا التناقض بداخلي يشتعل. فنحن نحب بطرق متناقضة. وهنا تحديدا يتمركز العالم حول أفكارنا وكيف نعبر عنها في هذا الإطار. وكيف تبدأ المشاعر بالاختلاط! وكيف يكون الحب مغناطيس الإنسانية في الكثير من الحالات! وكيف تدور جميع الأحداث حولنا كأننا قطر هذا الكون! 

وبما أن الحب رغبه موجودة لدى جميع الأشخاص على حد سواء، فأستطيع القول هنا تحديدا "أنت تحب فأنت موجود" فهو الوجود حقا. فأجمل قصة حب كانت حب العبد لخالقه فهنا يكون الحب بلا متعه ولا شهوة، ولا مصلحه ويمكن وصفه بأنه أسمى أنواع الحب على الإطلاق. فكل الديانات تعبر عن الحب برموزها ومعتقداتها الخاصة حتى تنتقل من جيل لجيل ويصبح الحب هو الموروث والرابط الوحيد بيننا. فيتلون الحب بأفكارنا وهويتنا ودياناتنا ومعتقداتنا ويتخذ شكل الكنائس والمساجد، شكل الشوارع والأسواق، شكل المدن الكبيرة والصغيرة، شكل الماضي والحاضر والمستقبل. 

وأحيانا كثيرة ما يكون الحب هو الخروج من الواقع تماما إلى خيال يوازيه، فيتسلل إلينا ويبعث بداخلنا بصيص أمل ليمنحنا القوة رغما عن أنفسنا. فجميع تلك القصص التي استمرت كان مفتاحها الحب، فما نعانيه اليوم من كوارث متعددة في عالمنا المحيط كان هو الحب التيار الآمن، والملجأ المريح الذي يساعدنا على السير جاهدين للعيش، وبالأخص في ظل الحروب والمخيمات المتناثرة في عالمنا، فنجد الحب هنا يتخذ شكل المتشردين، شكل البيوت المهترئة، الخيمات الباردة، شكل المدن الموحشة الفارغة، شكل الشوارع، شكل الماضي والمستقبل الضائع وشكل الفصول والأحداث الجارية.
 

لأن حياة واحدة لا تكفي لأن نسرد جميع معاني الحب بدأ بالهوى حتى الهيام. فلنعشها بشغف وبكل الطرق المرسومة التي عبر عنها التاريخ ولم يعبر عنها بعد. فالحب نحن، وبه نستمر.

رغم هذا نحب لأنه جميل أن نسافر إلى عوالمنا ونكتشف أنفسنا، ونكتشف كيف يكون الحب بلوحات، بالأشعار، بالألوان، كيف يعبر البحار، وكيف ينتظر على الطرقات، وبما أننا مقيدون بعدي الزمان والمكان فأصبح من الممكن بأن نجد أن الأحلام بلا أبعاد وأن الحب يغير كل صعوبات الواقع إلى متعه مطلقة، فنسمع صدى أنفسنا من خلاله فهو تخطى حدود العمر والتاريخ والزمان والمكان.

فقط وببساطة لأنه الحياة. ولأن حياة واحدة لا تكفي لأن نسرد جميع معاني الحب بدأ بالهوى حتى الهيام. فلنعشها بشغف وبكل الطرق المرسومة التي عبر عنها التاريخ ولم يعبر عنها بعد.  فالحب نحن، وبه نستمر. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.