شعار قسم مدونات

الإلحاد العاطفي في ظل تحولات الربيع العربي

blogs - arab spring

خلق الله الإنسان خِلقة حسنة قويمة، ومتعالية عن كل ما سواها من المخلوقات والمكنونات، ثم زاده جل جلاله حسنًا وتفرّدًا بالعقل، وكمّله بأمره، فهو ذروة سنام الخلق، وغاية الشرف والكرامة، ولن ينزل بالعاقل من درجات الكمال شيءٌ أكثر من الإغراق في الحال أو في الزمان، أو التلاشي تحت وهج المكان، وبهذا نفهم خطورة الغضب، وغشاوة العشق، وبؤس البخل، وكراهية تتبّع الصيد لدرجة الذهول، وحساسية الدخول على السلطان خشية الفتنة، وكآبة التقديرات الآنية في الحكم على الأشياء والأشخاص والأفكار، وبشاعة أُحادية النظرة، فكل هؤلاء من الغارقين أو من المغرقين.

 

وتظل قيمة الإنسان في قدرته على الفهم والإدراك، ومقدار طاقته في تلقي التحولات الكبرى، وقراءة الأحداث الصغرى، ومداراة التباينات المتلاحقة، ما لم تغمره العاطفة أو تغشاه، ولا سيما عند التحولات الكبرى غير المبررة بكل وضوح، أو تحت وابلٍ من الأحداث المتلاحقة المؤلمة، التي ربما تغيب عن صاحبها أسبابُها، للحد الذي قد تؤول به إلى مألات مخزية ومفجعة، قد تبدأ بحالة من الاكتئاب والانعزال، وتنتهي عند بعضهم بالانتحار أو الإلحاد.

 

من الواجب علينا نجدة هؤلاء الشباب بكل حكمة لا محاكمة فيها، وبكل عطف واحتواء، وأن نراجع أنفسنا وخطابنا، ونعيد النظر في المنطلقات والحقائق والرجالات حسب ما تقتضيه نتائج وتحولات الربيع العربي.

وهذا مما نلاحظه (فيما دون الظاهرة وفوق الحالات الطبيعية) في بلاد الربيع العربي ومن في حكمها، بلاد التحولات والفواجع، بلاد الأحداث التي يرقق بعضها بعضًا، بلاد الموت والسجن والظلم والتشريد والجوع، بلاد المخيمات والخيبات التي لا توصف، حتى أضحى الشباب فيها والقنوط قاب قوسين أو أدنى، يوم أن صارت بلادهم تسكنها في عشية وضحاها كلُ هذه الفلسفات الدموية التي لم تبلغ -من ذي قبل- الحد الذي بلغته اليوم، في حين أن الفوضى تعم المعمورة كلها، لا صوت لغير القوة والبطش والإكراه، ولا شيء يُحترم سوى مصالح الغالب وأطماع القوى العالمية، على تفاوت بينها حسب ما تنص عليه سياسات حياة الغاب.

 

حتى لقي عددٌ من الشباب أنفسهم على حافة هاوية الإلحاد، وبعضهم هوى، إذ أن حجم البلاء لا تكاد تستوعبه طاقتهم الاستيعابية، ولا سيما تحت نزيف عاطفيٍ غزير، وفي مساحات من الزيف أبداها لهم تسارع الأحداث، فصارت الحقائق الدينية والوطنية التي كانوا يعرفونها بالأمس، ينكرونها اليوم، وينكرون الرجال الذين تجسد فيهم الوطن، وخاب ظنهم في آخرين كانت تسكنهم سماحة الدين زمنًا طويلا، يرافقها فشل مؤسسات الدولة، وتعثر مرير للخطاب الديني المشترك الصالح للإنقاذ ونجدة الحياة، فانقطع الاتصال بهم، لانقطاع أسلوب التخاطب الذي يرقى للمواجهة وضرورة المرحلة .

 

وفي صورة مشابهة، تعود بنا الذاكرة إلى بداية القرن التاسع عشر الميلادي، أيام الثورات الأوروبية التي انتهت بكثير من شباب أوروبا آنذاك إلى العدمية والفوضوية واللا أدرية، وإلى مقولة "نيافة الأنبا غريغوريوس" حين قال في عصرنا هذا: "الإلحاد المعاصر ليس إلحادًا عقلانيًا، ولا فلسفيًا، ولا منطقيًا، ولا علميًا، إنما هو إلحاد تصميم، تصميم بالرفض لفكرة الله، وذلك بسبب خبرة حزينة، خبرة مؤلمة وقاسية عن الدين والمتدينين أو عن الملوك والحكام"، هذا وفي حالات الإلحاد التي نبتت مؤخرًا في عالمنا العربي، من نابتة شبابية ضاق بها الحال، فطاف بها طائفٌ إلحادي بئيس، بحجم هذا البؤس الاجتماعي الذي خلّفه الربيع العربي، والمآلات والتحولات التي لم تكن تطيقها مداركهم ولا تستوعبها عقولهم، فغرقوا فيها، مما أوجب علينا نجدتهم بكل حكمة لا محاكمة فيها، وبكل عطف واحتواء، وأن نراجع أنفسنا وخطابنا، ونعيد النظر في المنطلقات والحقائق والرجالات حسب ما تقتضيه نتائج وتحولات الربيع العربي، وخاصة هيئات ومؤسسات الحراك الإسلامي، التي تقترف المجازفات وتتلقى الويلات في كل مرة ترى فيه عارضًا مستقبِل أوديتها، ظنًا منها أنه ممطرها، حتى إذا تبيّنت عرفت أن الحقيقة غير ما كانت تحسب، فباتت المجتمعات في شك وشتات، والإسلام من هول ما يرى ابيضّت عيناه من الحزن، فهو كظيم!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.