أمهات بلا مخاض

blogs الخالة

راقبتُ وجهها وعينيها تُلاحق خطوات صغيرها وهو يتسلق أعمدة بلاستيكية متشابكة خلف مجموعة أطفال يعلو نقاشهم الطفولي وضحكاتهم البريئة تملأ جو الحديقة العامة. كنتُ جالسة بقربها ألتقط أنفاسي بعد جولة جريٍ سريع حول الحديقة، حيث أخذني ذلك القلق الحذر الذي كسا ملامحها الجميلة وأسرني إحساسها المتوقد الذي يظهرُ جلياً كلما تدّلى الصبي وأوشك على السقوط، كان ندائها السريع باسمه يسبق خطوة الوقوع بلحظة وتنبأ تحركاته شيئاً خاصاً بها كأم، وكان الشعور بالخطر والخوف على قطعة القلب أكبر كثيراً من مشاركته فرحة اللعب واللهو الطفولي.

 

ثم في لحظة خاطفة سقط على الرمل سقطة تمثيلية متقنة وتمرّغ وجهه الصغير بحبات رمل لامعة تتهاوى نزولاً بفعل ضحكاته المتلاحقة والتي لم تكد تُمحى عن جوانب فمه حتى كانت أمه تلتقطه بأحضانها وتمسح رأسه بقبلات حانية ويداها تتحسس جسده الصغير بحثاً عن كدمة أصابت قلبها قبل أن تصيبه، وأنا هناك على المقعد القريب أراقب بلهفة علاقة حبٍ بدأت بالإحساس قبل الرؤية وامتدت الى آخر العمر حيث رأته روحها قبل عينيها وأحسه قلبها قبل يدها، وعانقته روحها قبل صدرها.

 

عادت الأم الجميلة إلى مكانها بجانبي بعد أن منحته طمأنينة وجودها، ونطقتُ ما جال في خاطري سريعاً يا لإحساس الأمهات العظيم نعم هو عظيم ولكني لست أمه، أنا خالته وأتولى مراقبته وهي في عملها يا الله، خانني التعبير ووقفت مدهوشة أمام أنثى في منتصف العمر كل ما فيها يصرخ بالأمومة هو ابن أختي وأنا تزوجت ولم أنجب تلك حكمة الله أومأت برأسي تحية تقدير وإعزاز ومشيت مسرعة نحو باب الحديقة وأنا أسترق النظر الى تلك المخلوقة العظيمة التي تحمل في عينيها مشاعر عظيمة يغلّفها قبول ورضى وسكينة.

 

في الحياة نجد حولنا أمثلة كثيرة لأمهات بلا أولاد، وآباء بلا ألقاب، وبيوت تخلو من فوضى الصغار غير أنها ملأى بالحب والآمال الكبار والعواطف التي تعيشها تلك النفوس الراضية بالحرمان والعابقة بالمحبة تُحييها قلوب تسكنها فطرة الأمومة وعطف الأبوة

في الطريق إلى منزلي بخطوات بطيئة كسولة أخذت أستعرض معارفي وبعض من سمعت عنهم من المحيطين بي، وجدت أكثرهّن أمهات حانيات، لم ألحظ بهّن ما رأيته من أم الحديقة، حتى أخواتي وقريباتي، كنّ يتعاملن مع أطفالهن كأمرٍ عادي مسلم به وحتى إنجابهن كان أمراً مفروغا منه فهو نتيجة حتمية لما حلمن به، ناهيك عن أحلامهن بجنس المولود والذي صار ممكناً التحكم به، إلى سباق اختيار الأسماء والصراع على بعضها مرورا بالقرار الحديث بإنجاب اثنين أو ثلاثة بحجة الوضع المالي أو الجمالي.

 

ترى ما حال من حلُمن ولم يجدن، كيف عشنّ الحُلُم الخالد الذي لم يتحقق يوماً ما هي الآمال التي ما برحت تراود خيالهّن الأمومي، وأعرف أن بعضّهن خضن معارك طويلة في جنبات العيادات المليئة بصور الأطفال. حيث عانين مصاعب نفسية وجسدية ومالية، في سبيل حمل لقب أم، واسم غالِ يضاف إلى اسمها وتعُرف به عمرها كله. وهناك أمهات بالفطرة لم يتزوجن، حملن أطفال غيرهم بكل حب وحنان من أنجبت بل وربما أكثر حملت قلوبهن حنية عالم الأمومة بامتياز عجزت عنه من عاشته وضاقت به، نعم ضاقت به فبعض النساء كرهن ما فعلت بهن الولادة وما تركته على أجسادهن من خطوط وآثار تمنّته من حرمت منه ليكون وسام شرفٍ للقب ونيشان عزٍ لقلب.

 

تلك حكمة لا يعلمها إلا الله،  سبحانه، ويجعل من يشاء عقيما، غير أن العقم لا يُلغي مشاعر الأنسان،  فمشكلة الجسد لا تصل إلى الروح لأن الروح سليمة من الأمراض،  نقية تحركها أحاسيس جميلة من أمومة وأبوة ما عاشت فرحة، مبروك جالك ولد، ولا أيقظتها صرخات طفل جائع في منتصف الليل، ولا عانت الخوف من ارتفاع الحرارة، هي مشاعر حقيقية سكنت أجساد مريضة كُتب عليها نصيبٌ رضيت به وقنعت وصبرت، فكانت مثالاً حقيقياً للحب بلا شرط، وكم من نساءٍ بيننا من تزوجت ومن لم تتزوج تمتّعن بمشاعر أمومة غامرة بكل ما فيها من حنان وحب وتضحية، خالة، عمة، أخت، صديقة، لم يهبها الله طفلاً، فمنحت ما تمتعت به لأطفال غيرها واستحقت بجدارة لقب أم ثانية ولم تزعجها لفظة ثانية بقدر ما أسعدها لقب أم.

 

في الحياة نجد حولنا أمثلة كثيرة لأمهات بلا أولاد، وآباء بلا ألقاب، وبيوت تخلو من فوضى الصغار غير أنها ملأى بالحب والآمال الكبار والعواطف التي تعيشها تلك النفوس الراضية بالحرمان والعابقة بالمحبة تُحييها قلوب تسكنها فطرة الأمومة وعطف الأبوة بمعناها الحقيقي. كل النساء أمهات بالفطرة، حتى ولو لم يعشنّ مخاضاً حقيقياً، هُن أمهات ويحملن في قلوبهن حناناً لا يضاهى سواءً بسواء من ترهّل بطنها وأرضع صدرها.