شعار قسم مدونات

أردوغان ليس خليفة المسلمين

blogs - turkey

انتهى الاستفتاء التركي على التعديلات الدستورية بنجاح (أردوغان) وحزبه في تمرير تلك التعديلات، وإن كان ذلك بفارق ضئيل، إلا أن هذا هو الوضع الطبيعي -غالبًا- في الأنظمة التي تعتمد الانتخابات النزيهة، وخصوصًا عندما يتعرض المجتمع لاستقطاب سياسيٍّ حادٍّ، إذ تكون الفروقات بين أصحاب الآراء المختلفة ضئيلة.
 

لا أنكر أنني -شخصيًّا- أحبُّ (أردوغان) وحزبَه، وأُحسِنُ الظنَّ بهم، وأتوقع منهم أنهم يسيرون بذكاء وحذر في طريق إعادة (تركيا) إلى السير على سكّة موروثها الحضاري والديني الذي حاول الانقلاب الأتاتوركي إبعادها عنه خلال السنوات المائة المنصرمة، وقد داخلني السرور بنجاح (حزب العدالة والتنمية) في تمرير إصلاحاته الدستورية، والتي آمُلُ أن تحقق ما يتوقعونه منها من توفير الاستقرار السياسي اللازم لنهضة تركيا واستعادتها دورها الإيجابيّ في العالم.
 

إن أردوغان حاكم عادل قوي يسعى لرفعة تركيا ومن ورائها الأمة، ولكن التعامل معه على أساس أنه (الخليفة) المنتظر فيه ظلمٌ له بتحميله عبئًا لم يُبدِ استعدادًا لحمله.

غير أن الذي يجب التوقف عنده هو تلك المبالغة التي نشاهدها في التعاطي مع الحَدَث التركي من قبل المؤيدين للنظام الحالي في تركيا والمتعاطفين معه، وأكثرهم من أبناء ومؤيدي التيار الإسلامي، فالملاحِظُ لما يتمُّ نشره في وسائل التواصل الاجتماعي يرى أن هؤلاء المتعاطفين يتعاملون مع (تركيا أردوغان) بتعصبٍ زائد عن الحدّ، ويرفعون سقف آمالهم وطموحاتهم منها إلى درجة قد يَعجَز (أردوغان) عن تحقيق أدنى مستوياتها.
 

تحويل نظام الحكم التركي من الشكل البرلماني إلى الشكل الرئاسي قضية ترتبط بالمصلحة التي يُفترض أن يحققها شكل نظام الحكم، والأتراك اليوم ارتأوا -بأغلبيتهم- أن النظام الرئاسي هو الذي يحقق لهم المصلحة، وقد تدور السنوات، فيرى حزبُ (العدالة والتنمية) نفسُه أن العودة إلى النظام البرلماني تحقق مصلحة راجحة أو تدرأ مفسدة عظيمة في مرحلة ما، وذلك إذا بدأت بوادر استبدادٍ تظهر نتيجة تطبيق النظام الرئاسي، إذ هذه الأشكال لأنظمة الحكم ليست مقدّسة، فهي معدّة للوصل إلى الاستقرار، وتستند في الترجيح بينها إلى موازنة المصالح والمفاسد الناتجة عنها، وما قد يحققه شكلُ نظامٍ من استقرارٍ في مرحلة ما قد لا يستطيع تحقيقَه في مرحلة أخرى.
 

لقد في جاء الأثر (أَحْبِبْ حبيبَك هَوْنًا ما، عسى أنْ يكونَ بغيضَكَ يومًا ما، وأبغِضْ بَغيضَك هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ حبيبَك يومًا ما)، وجاء في الحكمة قولهم: (لا يَكُن حُبُّك كَلَفًا، ولا بُغضُك تَلَفًا)، إنّ الاعتدال والوسطية في المواقف من الناس مطلوبة، ورفع سقف الطموحات والتوقعات منهم دون أخذ (إمكانياتهم) بعين الاعتبار سيؤدي إلى الكثير من الإحباطات.
 

أُدرِكُ أن الدافع عند كثيرين منّا في المبالغة التي يمارسونها هو أنهم وصلوا إلى مرحلة (الاستيئاس)، فهم يريدون التمسك بأيِّ بارقة أملٍ تلوح في الأفق، وقد أعطت تصرفات (أردوغان) وحزبه مع كثير من قضايا الأمة بارقةَ الأملِ تلك للكثيرين، ولكنْ يجب في خضمِّ هذا الوضع الذي نعيشه أن ننتبه إلى الملاحظات التالية:
 

• رغم قوة شخصية (أردوغان) واستطاعته تحقيق إنجازات ملموسة في الواقع التركي إلا أن المعارضة له ولحزبه ونهجه لا تزال قوية، وليس أدلّ على ذلك من أن التعديلات الدستورية التي طرحها عارضها أكثر من (48 بالمائة) من الناخبين الأتراك، وهؤلاء يبلغ تعدادهم أكثر من (23) مليون شخص، كما أن هناك أحزابًا وقفت معه في هذا الاستفتاء وهي تعارض نهجه في كثير من القضايا الأخرى، مثل حزب الحركة القومية التركي.
 

أقول لمن يحارب أردوغان: كونوا منطقيين وعقلانيين، وعندما تريدون الحكم على الرجل لا تقارنوه بالمثاليات التي في عقولكم، بل قارنوه ببقية الزعماء والرؤساء في عالمنا العربي والإسلامي.

• دولة تركيا لا تعيش في جزيرة منعزلة، إذ لها علاقات وارتباطات دولية مع الدول المؤثرة في العالم ومع محيطها، وهي مضطرة، رغبت أم أبت، أن تأخذ هذه العلاقات وانعكاسات قراراتها وموقفها عليها بعين الاعتبار.
 

• هناك مصالح خاصة للدولة التركية قد تتصادم مع بعض المواقف التي نأمل أن تتبناها تركيا، وعلينا أن لا ننتظر من (أردوغان) أو من غيره أن يُقدّمَ نظرتنا للأمور وتقديرنا لموضع كمون المصلحة على نظرته ونظرة نظامه.
 

• (أردوغان) -وإن كنت شخصيًّا أحبه- ليس خليفة المسلمين، ولم يعلن يومًا أنه سيقيم دولة إسلامية في تركيا، ولكنه مع ذلك -فيما نحسبه- حاكم عادل قوي يسعى لرفعة تركيا ومن ورائها الأمة، ولذلك فالتعامل معه على أساس أنه (الخليفة) المنتظر فيه ظلمٌ له بتحميله عبئًا لم يُبدِ استعدادًا لحمله.

 

هذه الملاحظات يجب أن لا تغيب عنّا ونحن نراقب المشهد التركي، وهنا لن يفوتني أن أقول للذين يحاربون (أردوغان) والذين أعتبر أنهم أكثر تطرفًا من المؤيدين له، وأعتقد كذلك أن تطرفهم في محاربته كان سببًا في دفع الكثيرين للاستماتة في الدفاع عنه، أقول لهم: كونوا منطقيين وعقلانيين، وعندما تريدون الحكم على الرجل لا تقارنوه بالمثاليات التي في عقولكم، بل قارنوه ببقية الزعماء والرؤساء في عالمنا العربي والإسلامي، وعندها سترون -إن تخليتم عن تعصبكم وحقدكم على الرجل- أن أفضل هؤلاء -من حكام وأنظمة- لن يصل في مستواه، إلى مستوى أردوغان أو نظامه مهما حاول ذلك.
أسأل الله أن يحفظ تركيا وشعبها، وهنيئًا لهم استطاعتهم تعديل دستورهم بدون انقلاب ولا ثورة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.