أردوغان بين مطرقة الجاميين وسندان العلمانيين

blogs - تركيا
على الرغم من النجاح منقطع النظير الذي حققه أردوغان للدولة التركية الحديثة، وعلى الرغم من التحول الكبير في مظاهر التدين لدى الشعب التركي والسياسة التركية بعد أن كانت من عمالقة الدول العلمانية التي يقودها الجيش بتسلطه وأجهزته الاستخبارية.

ومع ذلك تجد أن تيارين في الشارع العربي لا يعجبهم أي نجاح يحققه الطيب رجب، فبينما يشكك الجاميين بمصداقيته في شعاراته الإسلامية، تجد النقيض من قبل العلمانيين فيصفونه بالرجعي نتيجة تصريحه ورفعه لشعارات تخالف دستور الدولة العلمانية، لعل الحقيقة يمكن تمييزها ومعرفتها من خلال ما يكتبه ويصرح به المتناقضون، وبين هذا وذاك تأتي فئة لتردد ما يقوله المؤدلجون دون دراسة ودراية وتمحيص وقراءة وبحث بالشأن التركي، ولعلنا هنا نشير إلى بعض الجوانب المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار قبل التعرض للسياسة التركية ممثلة في شخص أردوغان. 

أولاً: يجب أن نعلم أن النموذج الغربي أو الأميركي في الانتخابات وفترة الرئاسة ليس هو الذي يجب أن يطبق في كل الدول، ولذلك نجد بعض الدول الأوروبية وكذلك بعض دول شرق آسيا المتقدمة تتباين في أسلوب الحكم والانتخابات، وتجد كثيراً من الدول ذات الحريات الإنسانية لا تزال تحفظ للأسر المالكة هيبتها وتقديرها، ومنها على سبيل المثال بريطانيا واليابان والسويد وإسبانيا وغيرها. 

أنا لست متخصصا بالشأن التركي، ولكن على الأقل لا أعتمد في طرحي على مانشتات صحفية وبروباجندا أيدلوجية.. قرأت كتاب سيرة أردوغان وكيف بدأ وإلى أين انتهى.

وحتى النموذج الإسلامي في اختيار الحاكم لم يكن منهجاً واحداً، فالصحابة رضوان الله عليهم بايعوا أبوبكراً رضي الله عنه، بناء على فهمهم لبعض النصوص والإشارات من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك توصية صريحة بخلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أبو بكر وصى لعمر بن الخطاب بالخلافة بعد أن استشار عددا من الصحابة كان منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، على عكس الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي جعل الوصية بالخلافة بين عدد من الصحابة ووقع الاختيار على عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وهكذا جاءت بعد ذلك دول، وإمبراطوريات إسلامية قوية جداً وذات حقوق إنسان أرقى بكثير مما يتشدق بها الغرب، وكانت تحكم بالنظام الملكي ولا إشكال في ذلك، الفصل في الموضوع هو احترام الشعب، وبناء دولة قوية، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه. إذاً لا نقدم النموذج الغربي على أنه النموذج المرجعي الصحيح للجميع.

ثانياً: أنا لست متخصصا بالشأن التركي، ولكن على الأقل لا أعتمد في طرحي على مانشتات صحفية وبروباجندا أيدلوجية.. قرأت كتاب سيرة أردوغان وكيف بدأ وإلى أين انتهى، وكيف تحول من المواجهة الحادة مع العسكر إلى تفكيكهم من الداخل باسم العلمانية.

وقرأت كتاب سيرة أربكان منذ بدايته ونبوغه العلمي وأستاذيته في علم الهندسة الميكانيكية، وتأسيسه لعدد من الأحزاب السياسية كالسعادة والرفاه وغيرها، ووصوله إلى رئيس للوزراء ومن ثم تم الإطاحة به.. وقرأت كتاب العثمانيين الجدد وهو من إصدار دار المسبار للنشر والتي تمثل الفكر المناهض للإسلاميين، ومع ذلك ورغم رفعه من شأن حركة فتح الله كولن إلا أنه لم يستطع أن يرمي أردوغان بشيء يعيبه في سياسته ونجاحه وتفوقه. 

النموذج التركي نموذج ناجح، ومن يقع فيه فإنما يتقيأ على نفسه، وهو ناجح حتى اليوم، ولا يعني ذلك أنه سيبقى ناجحاً، فربما يتعثر في المستقبل.

ولا ننكر الدور الذي لعبه قادة تركيا فكرياً لتوعية الشعب، ومنهم كولن بعيداً عن الدور المشبوه للحركة خصوصاً فيما يخص التمويل، وكذلك دور بديع الزمان النورسي الذي مثل وعياً كبيراً داخل الشعب التركي، عندما أطلق مشروع "إنقاذ الإيمان وخدمة القرآن" وهو يقوم على تحويل إيمان الناس من مجرد إيمان تقليدي موروث إلى إيمان تحقيقي مشهود، وهو على غرار ما كتبه سيد قطب، على الرغم من شدة الطرح من قبل سيد قطب، نتيجة الظروف التي كان يمر بها، علماً بأنه في آخر حياته قام بتهذيب كثير من طرحه.

وأخيراً.. قرأت كتاب "العمق الإستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، وهو من تأليف الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق، وهو كتاب موسوعي تصل صفحاته إلى أكثر من ٧٠٠ صفحة، وأدركت حينها كيف نجحت تركيا وكيف نجح أردوغان، لأنهم يملكون داخل الحزب أمثال هذا الرجل المحنك سياسياً.. وعلى الرغم من أن تأليف الكتاب كان في السنوات الأخيرة إلا أنه لم يشر إلى شيء مما يردده الإعلام الذي يناهض السياسة التركية من الخلاف بينه وبين أردوغان

وعليه، فرئيس الدولة أو القائد الرئيسي يمثل كاريزما وشخصية مؤثرة، ولو نظرنا في أوغلو وعلى الرغم من دهائه السياسي إلا أنه لا يصلح كرئيس دولة، ولا يملك الشخصية التي يمتلكها أردوغان، وخروجه من السلطة ليس إبعاداً له، وإنما ذلك يتم بناء على قرارات يتخذها الحزب وبموافقته هو.

على سبيل المثال الولايات المتحدة الأميركية الرئيس فيها ليس هو الشخصية الخارقة في السياسة، بل هو شخصية تملك مقومات وصفات معينة لتمثيل الدولة في الرئاسة، ولا يعني وجود عباقرة سياسيين أنه يجب أن يكونوا هم على رأس الهرم السياسي. 

الصحابة رضوان الله عليهم فهموا ذلك، فالخلفاء الراشدون ليسو بارزين بشكل كبير في القيادة الحربية إذا ما استثنينا الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، على عكس القادة العسكريين الذين لم يُعهد إليهم بالخلافة، فشهرة أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، في الرأي والحكمة والقرار، ليست كشهرة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص في الحرب وإدارة المعارك. ولو كان خالد بن الوليد رضي الله عنه بيننا وبفكرنا الأعوج، أن القائد العسكري هو من يحكم، لنصبناه وقدمناه على أبي بكرٍ وعمر، لأننا لا نفهم ماذا تعني السياسة والحكم.

اقرأوا وتفكروا وتأملوا ولا تسوقوا الشباب إلى المجهول تنفيذاً لأيدلوجيات ضيقة أو حقداً ومرضاً ضد التفوق الأردوغاني.

إذاً فخلاصة القول: النموذج التركي نموذج ناجح، ومن يقع فيه فإنما يتقيأ على نفسه، وهو ناجح حتى اليوم، ولا يعني ذلك أنه سيبقى ناجحاً، فربما يتعثر في المستقبل خصوصاً أن المؤامرات تحاك ضده على مدار الساعة. 

كما نود إيراد ملاحظة مهمة: لا يعني نجاح النموذج التركي كونه ينتمي إلى الفكر الإخواني، أن من يتبنى هذا الفكر سوف ينجح، فنماذج الإخوان في اليمن وفي مصر وفي ماليزيا تختلف في عقليتها وأدائها والظروف التي تعمل فيها.

في مصر ربما يكون قريبا من النموذج التركي، ولكن الشخصية المصرية العسكرية تختلف عن الشخصية التركية وهو الحال نفسه بالنسبة للإخوان أنفسهم والشعب المصري، في اليمن النموذج قبلي عسكري بحت، لا فرق بينه وبين نظام علي عفاش لدى كثير من الشخصيات الإخوانية وليس كلها.

النموذج في ماليزيا فشل أمام شخصية وقوة مهاتير محمد، لأن الشخصية الماليزية تميل إلى الهدوء والسكينة، ولأن مهاتير محمد كان أكثر تفوقاً ونجاحاً، ولذلك العالم صفق لمهاتير وسوف يصفقون لمن ينجح.

اقرأوا وتفكروا وتأملوا ولا تسوقوا الشباب إلى المجهول تنفيذاً لأيدلوجيات ضيقة أو حقداً ومرضاً ضد التفوق الأردوغاني.