التدوين منبر من لا منبر له

blogs - blogging
يُقدّس العربُ المنابر وفلسفتها لأنها تمثّل البوقَ الأول في إيصال الأفكار لديهم قديماً منذ نشوء الخطاب البلاغي في العصر الجاهلي الذي قرأنا وسمعنا عنه جميعاً وتربّينا على أنّه الأساس في الفصاحة والبلاغة التي مثّلت شُغلَ تلك المجتمعات الشّاغل، وأصبحَ المنبرُ هو المطمح الرئيس لكلّ من ملكَ لساناً أتعبّه من كثرة طلبِه للكلام وشفتين أرّقهُما طول انطباق دون بنتٍ تملأ الكونَ ضجيجاً وضوضاء..

 

وما يميّزُ التدوين وضراوة انتشاره بين العرب خصوصاً ـ رغم حداثة عهدهم الإلكتروني به ـ أنّه يغذّي تلك الناحية الملحّة لديهم في حُبّ الحديث والكلام وقول شيء.. أيّ شيء، ففَتحت المدوّنات أبواباً موصدة وأشرَعَتْ نوافذ كانت مغلقة ومهّدت طرقاً ظلّت لوقت طويل وعرة وبعيدة المنال، وصارَ التدوين من أوائل اكتمال الحوائج الشخصية للفرد الذي يميّز بين حروف الهجاء الثمانية والعشرين ويستطيع أن يعثُر على مواضع تلك الحروف المتناثرة بشكل شبه اعتباطي على صفحة لوحة المفاتيح ليقولَ ما يحلو له ويكتب ما يعنّ على خاطره ولو أخفى نفسه تحتَ اسم مسروق أو مستعار..

 

عندما يستطيع المبدعون من الأدباء المغمورين والمحاولين الطَموحين وأصحاب المهارات الذين لا يسألون الناس إلحافاً يحسبهم الجاهل أغبياء وجُهلاء من كثرة السكوت؛ فالمدوّنات حينها ملاذهم الآمن وحضنهم الدافئ..

الحصولُ على منبرٍ أضحى من أساسيّات الحقوق الإنسانية التي ضاعَ جلّها وأكثرها بين ظلم وهضم وتسلّط أو بين ترك للحبل على الغارب وإهمال المراقبة وفقدان التشريعات والتقليل من شأن الديانات والمعتقدات لتكونَ بعد ذلك الأخلاقيات والسلوكيّات ورقاً "منديليّاً" يستخدمُ ويرمى ويستباح ويترك متى دعَتِ الحاجة الشخصية لذلك، والهمّ هو أن تُخرج من فمك ذلك الذي يزعجك ماءً كانَ أم بُصاقاً وتُطيح به في مدونة إلكترونيّة..

 

وعندما يشتكي المُحقّون من الذي كُمّمَت أفواههم زمناً طويلاً ـ مع أنّ لديهم ما يقولونه ـ من شكوى أو وجهة نظر لها من الحق نصيب ومن الاعتبار محلّ.. فتبدو المدوّنات ظاهرة صحيّة وفتحاً مبيناً ونعمة كبيرة، وعندما يستطيع المبدعون من الأدباء المغمورين والمحاولين الطَموحين وأصحاب المهارات الذين لا يسألون الناس إلحافاً يحسبهم الجاهل أغبياء وجُهلاء من كثرة السكوت؛ فالمدوّنات حينها ملاذهم الآمن وحضنهم الدافئ..

 

لكنّ الحرّية الشخصية والديمقراطية المرجوّة من كلّ تصرّف وكلّ قانون وكلّ نفَسٍ نتنفّسه في حياتنا بإملاءات غربية وتجميلات شيطانية نفسيّة بحتة؛ أذكت السواد الكبير الذي يلفّ عالم التدوين في وطننا العربي الكبير منذ أن بدأ أوائل المشهورين من المدونين نشر ما يؤمنون به في مساحات ضيّقة وجدت طريقها في عالم الإنترنت والشبكة المجنونة هذه، فلا ضابط يمنع من قبيح ولا مانع يحجُزُ عن منكر ولا رادّ يقفُ أمام الإسفاف والانحطاط والتسويق للجهل والفحشاء والغريب الغير مفيد في دنيا ولا في دين..

 

وكما قيلَ لنا بأنّ الرأسمالية هي الحل الأمثل واقتصاديات السوق هي الضرورة الحقيقية للقرن العشرين ومن ثم هي المركب الأمين الذي يقودنا نحو القرن الواحد والعشرين وأنّ ترك الأموال تربو في أموال الناس ولو لم ترْبُ عند الله في حرية همجيّة أكلت الأخضر واليابس والقارس واللّين من الأموال، قيلَ لنا أيضاً بأنّ الحرية تعني أن يختفي مبدأ الحياء وتغيبَ شمس الممنوع وتغرُب سحابات الحرام وتُسحَق مصطلحات العيْب واللياقة العامة ولا يكونُ في الوجود غير فوضى وتسريح لكلّ أبالسة الفكر والبذاءة من سجون الإقصاء الاجتماعي بحجّة أنّ الحرية تجلبُ الإبداع ولا بدّ للرأي من رأي آخر ضدّه حتى يكون الحراك الثقافي أجمل وأجدى في وجه دميم وجسد معيب..

 

وأملي لنا بأنّ كيدَ الأعداء ليس في حديثهم ولا أفكارهم ولا تدليسهم بل هو في نفوسنا وتعقيد تركيبتنا العربية والإسلامية فيجب علينا أن نطلِقَ المارد الذي بداخلنا ونسمح بكل ما كنا نكرهه وكل ما كنا نمقتُه وكل ما كنا نخشى من عواقبه حتى ترضى عنا جامعة "السوربون" وجائزة "نوبل"، فنكونَ بذلك أصحاب فكر وإنتاج لا نعيش على هامش الحياة كلّ ما لدينا هو أخلاق وأعراف لا تجلبُ لنا نفطاً ولا تصنع لنا طائرة ولا تثري لنا اقتصاداً، فركبنا تلك الموجة العمياء في حجز مؤكّد وسريع وطارت بنا الدنيا نحو التدوين لأجل أن يكون لنا منبر فقط على غير هدى..

 

لو استخدمنا بضاعة غيرنا من ديمقراطية في تحديد جنس المولود قبل الزواج لكان القاعدون من الرجال عن الزواج أكثر من القواعد من النساء اللاتي لا يرجونَ نكاحاً

حالُ التدوين مع البعض كحال من يدخل في الظلام ليُمارس عادةً أو هواية ممقوتة لا يستطيع ممارستها أمام الناس ولكنّه هنا وأمام الناس استطاع ذلك، والسببُ واحد هو: أن الشاشات وخط الإنترنت تعطي حاجزاً نفسياً بأن الرؤية بعد حين والقراءة بعد الفراغ والمحاسبة غير موجودة والكذب حلال والتنقل بين المواقع وتغيير المدونات والأسماء سهلٌ واستعارة الموضوعات ونهب الحقوق والحديث عن توافه الأمور هو ما يحتاجه من أراد أن يكون التدوين بالنسبة له ولطريقته التي ينتهجها منبرَ من لا منبرَ له..

 

لو أنّ كل الناس صعدوا المنابر لم يبقَ من المستمعين أحد، ولو اختصم الناس ليكونَ الكل إماماً للمصلين لخرَجَ وقتُ الصلاة ولما اتفقوا، ولو استخدمنا بضاعة غيرنا من ديمقراطية في تحديد جنس المولود قبل الزواج لكان القاعدون من الرجال عن الزواج أكثر من القواعد من النساء اللاتي لا يرجونَ نكاحاً، ولو دوّنَ الكبير والصغير والعالم والمتعلم والناس أجمعون لما قرأ أحدٌ، ولو قلنا كل ما يجول في خواطرنا وصرّحنا بكل ما يدلّنا إليه هوانا وضعف إيماننا لاحترنا من فسقٍ أصابنَا تخطّينا به فرعونَ وهامانَ وامرأة نوح وامرأة لوط..

 

صحيحٌ أننا أمة الكلام لكنّه الكلام المفيد العميق المعين الذي يفتحُ آفاق العلوم ويهدي إلى الحق ويبيّن مغاليق المعارف ومجاهيل الحسابات، وصحيحٌ أنّ قريشاً برَعَتْ في الشعر والألفاظ وحُسن الحديث لكنّه الشعر الحكيم واللفظ المبين والحديث المهم، وصحيحٌ أننا من أكثر الأمم قدرة على الإسهاب متى شئنا والإطناب متى أردنا والتطويل إن أحببْنا والتهويل إن رغبنا لكنّ ربنا اختارّ لنا أحسن كتبه نظماً وأفصحها كلاماً وأبينَها حلالاً وحراماً وأعجزَ به العرب والعجم في اختصار وجوامع كلِم، وجعلَه أفضلَ كتبه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد..

 

إن اعتمدنا العروبة منهجاً فالعرب تقول: "حسبُ امرئٍ من الجهل أن يُحدّث بكلّ ما سمِعْ"، وإن اعتمدنا الإسلام طريقاً فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "وهل يَكُبّ الناس في جهنّمَ على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم"، ويقول: "من كانَ يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمتُ"، وإن اعتمدنا العقلَ مساراً فالعقلاء من كلّ الأمم يقولون: "اكتبْ ما يفيد تقرأْ ما يفيد واكتب ما لا يفيد لن تقرأ شيئاً ولن تكونَ شيئاً"، فهل سيكونُ الهمّ هو البحثُ عن منبرٍ ومكان للبوح والكتابة والقول والتدوين قبل أن يكونَ في نفس الباحث ما يقوله كمن يبحث عن ماء لإطفاءِ حريقٍ لم يشتعلْ..