شعار قسم مدونات

الإلحاد الأدبي

blogs - writing

"لن نجد شاعراً كبيراً واحداً في كل التاريخ العربي كان متديناً، كانوا جميعاً ضد الدين." قالها أدونيس في هولندا ثمّ دلّل على صحّة قوله هذا ببيتٍ للمعرّي:

 

"اثنانِ أهلُ الأرضِ، ذو عَقلٍ بلا *** دِينٍ، وآخرُ دَيِّـنٌ لا عَقلَ لهْ"

 

دعاني تصريحه هذا للتساؤل: ظاهرة الكفر والإلحاد في الشعر أو النثر -تحت مظلة المجاز الفضفاضة- ما أسبابها؟ وبعد تفكيرٍ طويل خرجتُ بأنَّ أكثر الشعراء والكُتّاب الذينَ يخوضونَ في "الإلحاد الأدبي" إن صحّت التسمية، إنّما يفعلونَ هذا لأجل الشُهرة، والشهرة فقط.

 

يتذّرعُ بعضهم بأنَّ الإسلام قيّد الشِعر، -كما يتفق أغلب النُقَّاد- والسؤال هنا، أيّهما أبدع.. من يشتهر وهو مُقيّد أم من يشتهر وهو حُر؟ طبعاً الذي يشتهر وهو مُقيّد أبدع باتفاق كلّ عاقل من الذي يشتهر وهو حر.

 

الشعر الرديء يموت قبل صاحبه. والإبداع هو الطريق الأمثل أدبياً للوصول. وباختصار: كن لساناً للذينَ لا ألسنة لهم.. تصل. كن دائماً في حزب النظافة. كن معَ الله..

نزار يتصرف على الورق كإله -على حدّ تعبيره- وله الكثير من الأبيات ضدّ الدين والرب؛ أشهرها:

 

"من بعد موت الله، مشنوقاً، على باب المدينة

لم تبق للصلوات قيمة

لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة."

 

كما قلت لكم آنفاً، تحت مظلة المجاز الفضفاضة والفضفاضة جداً يسبّ الشاعر ربّه الذي أوجده من عدم وأعطاه لساناً ويداً وقلما. فمحمود درويش قال لله بأعلى صوته:

 

"يا الله

جربناكَ

جربناكَ

من أعلاك فوق جراحنا."

 

أسأل نفسي: ماذا يستفيد الشاعر حينَ يمدحه الناس ويلعنه الله؟ يستفيد الشهرة؟، إنّها لحياةٌ رخيصة! الذينَ يجلسونَ في أمسية ويسمعونَ شاعراً يكفر جهاراً بالله فيها ويصفقونَ له، هل يدخلونَ في الكفرِ معه؟، لا أعلم والعُلماء نائمون. قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}.

 

عدنان الصايغ نكرةٌ يقولُ عنه النخبة أنّهُ معروف، في أقل قصيدةٍ له كُفراً قال في حقّ الله:

 

"أُدير قرص الهاتف

وأطلبه

ترد سكرتيرته الجميلة

إنه مشغول هذه الأيام

إلى أُذنيه"

 

عدنان الصايغ هذا كفره في الشعر قديم، ومع ذلك وصل هذا السن ولا يزال مجهولاً عند الملايين، وهذا يدلّ أنّ الكفر والإلحاد لإثارة الجدل لا يؤتي الشهرة دائماً.

 

المتنبي.. قرأته كاملاً "تقريباً" أكثر من مرّة ما وجدت منه إلحاداً صريحاً، بغض النظر عن دعاوى النقّاد بحقه أنه ادعى النبوة. هل ثمة أشهر من المتنبي؟ وأيضاً قرأت الجواهري كاملاً -تقريباً- فلم أقرأ له إلحاداً بيّناً ولا كفراً بواحاً وهو الشاعر العباسي الذي ولد في العصر الحديث كما قال عنه النقاد، بغض النظر عن مدحه للفراعنة.

 

جرير، الفرزدق، المتنبي، والكثير الكثير من فحول الشعر أبدعوا بغير كفر ولا إلحاد، فالمبدع بحق لا يحتاج للتخلي عن مبدأ واحد من مبادئه ليشتهر أو ليكونَ شاعراً كبيراً كما يدّعي "المُفكِّر" أدونيس، وَدَقِّقوا على كلمة مُفَكِّر التي صارت تُطلقُ مؤخراً على الذينَ يسبّون ربّهم غالباً.

 

أكاد أجزم أنّ أغلب الكفريات التي وجدت في هذا المقال، لا يعرفها الكثير من قرّاء هؤلاء الشعراء، فالشعر الرديء يموت قبل صاحبه. الإبداع هو الطريق الأمثل أدبياً للوصول. وباختصار: كن لساناً للذينَ لا ألسنة لهم.. تصل. كن دائماً في حزب النظافة. كن معَ الله..