معركة الشورى بين دفع الاستبداد وتحري الحق والصواب

blogs الشورى

تصطدم الممارسة العملية لمبدأ الشورى لدى قطاع عريض من الحركات السياسية الإسلامية باحتمالية اختيار أفراد الجماعة الذين يتم استشارتهم في المسائل العامة أو الخاصة رأياً مجانباً للصواب الذي تراه النخبة السياسية في قيادة الجماعة، هذا الصواب -حسب نظرهم في تقدير الصواب من غيره- مستفاد عادة في المسائل الاجتهادية بالخبرة والدراية وطول الدربة والممارسة. 

تلجأ النخبة السياسية الإسلامية حين ممارسة الشورى في نطاقها الداخلي حول المسائل التي تكون عادة من المسائل القائمة على الاجتهاد -حيث أن هناك توافقا عاما في جميع صفوف الجماعة الإسلامية حول المسائل المستفادة من النصوص القطعية- إلى توجيه أفرادها نحو رأي معين تراه صواباً بحكم ممارستها وخبرتها الطويلة والتي عادة ما يفتقدها الأفراد التابعون في الدرجات الأدنى في الجماعة، حرصاً من النخبة على تجنيب الجماعة قراراً مجانباً للصواب الذي ارتأته النخبة، والذي قد يجر عليها – أي القرار المجانب للصواب في وجهة نظرها- ويلات ومآزق بل وحتى مهالك سياسية الجماعة في غنى عنها.

إن هذه الممارسة المتمثلة في قيام النخبة القيادية في الجماعة الإسلامية بتوجيه أفرادها نحو رأي تراه هو الصواب ينطوي على إشكالات عديدة وخطيرة: 

أولاً: فرض الوصاية على الأفراد

حيث يتولد شعور الأفراد في الجماعة بنوع من الوصاية عليهم في اتخاذ القرار، وأنه تتم معاملتهم كقصر عديمي نضج وفهم ووعي، هذه الوصاية التي قد تنفر الأفراد ذوي الرؤى والنضج النسبي والوعي العام الذين لا يقبلون أن يكونوا إمعة في صف من تتم مشاورتهم، ونظرا لضعف خبرتهم ومهارتهم وممارستهم السياسية مقارنة بقيادة الجماعة، فهم غير قادرين على مواجهة ومقارعة من هو فوقهم تنظيميا، وإن كانوا يشعرون بخطأ هذه الممارسة، فيضطرون عادة إلى الانسحاب تاركين المكان للأفراد ذوي الاستجابة المباشرة، والذين ينظرون إلى قيادتهم نظر المعصوم من الخطأ أو تكاد، فتراهم يسارعون باختيار إرادة النخبة العليا، وهؤلاء هم الذين يكتسبون ولاء القيادة بمرور الوقت، ويترفعون في سلم الجماعة ليصبحوا قادتها في المستقبل ويمارسوا ذات الطريقة في القيادة التي ألفوها عمن سبقهم، في الوقت الذي تفقد فيه الجماعة عددا من المتميزين الذين آثروا الانسحاب والذين كان يمكن لوجودهم أن يؤثر إيجاباً في مستقبل الجماعة . 

تكمن المشكلة الحقيقية في عدم فهم جوهر أصل الشورى في الإسلام، فالشورى وإن كان الغرض منها ونتيجتها هو الوصول إلى الرأي الحق والصواب، إلا أن هناك مهمة مقدمة على هذه المهمة وهي بناء جدار مانع يحصن الأمة والجماعة من الاستبداد

ثانياً: شخصنة الجماعة

حيث تصبح هذه النخبة من بضعة أفراد – من حيث الواقع العملي وإن تغلف اتخاذ القرار بغلاف الشورى – هي المسيطرة على كل الأفراد في الجماعة السياسية الإسلامية، وهي من ترسم سياسة الجماعة العامة والخاصة، وما على باقي الأفراد سوى التنفيذ، فتتحول بدلا عن كونها جماعة تمثل رؤية إسلامية عامة تستفاد من تلاقح تجارب وخبرات وآراء جميع أفرادها، إلى جماعة شخصية -وإن كانت تحمل مسمى إسلامية- تمثل رؤية شخصية لأفراد قياداتها، وهذا الأسلوب في إدارة القرار في الجماعة يزرع بذور ضعف وتفكك وانشقاق الجماعة في الحال أو المآل، ففي حال حصول خلافات على مستوى قيادة الجماعة.

قد يتطور الأمر لأن يتبادل الأفراد الاتهامات بأن كل منهم يحاول السيطرة على الجماعة، وهذا صحيح من حيث أن القرار في الجماعة ليس إلا قرار هؤلاء الأفراد فمن يملك القرار يملك الجماعة، وليس دور بقية الأفراد في المستويات الدنيا سوى التنفيذ، وقد تبدو الجماعة متماسكة في غالب الأوقات لوجود شخصية قيادية قوية مركزية على رأس هرم الجماعة، أو لهدوء الظرف الذي تمر به الجماعة، ولكن النار كامنة تحت الرماد، ومسألة اضطراب أمر الجماعة وانشقاقها وتفككها لاحقاً ليس إلا مسألة وقت، فيكفي أن تدخل الجماعة في محنة لتجد الانشقاقات والانقسامات تعصف بالجماعة ليس على مستوى بعض القيادات المهمشة فحسب، بل على مستوى الصف الأول في قيادة الجماعة. 

ثالثاً: من الجماعة إلى الجماهير

إذا كان تصور الصواب قائماً على رؤية النخبة السياسية في الجماعة، والذي يتبناه جميع أفراد الجماعة عموماً على مستوى القضايا القطعية الثابتة بمرجعيتها القرآنية والنبوية، إلا أن الأمر يختلف حين يصبح الطرح موجها إلى عموم جماهير الشعب، في انتخابات برلمانية أو رئاسية أو بلدية مثلاً، فحين تنتقل الجماعة إلى العمل الجماهيري العام فإنها سوف تصطدم بشريحة واسعة من الجمهور الذين يختلفون معها -أو على الأقل ليسوا على اتفاق معها في بعض الأصول التي قامت عليها الجماعة ابتداءً-، فهناك خوف لدى عموم الجماهير من الجماعة الإسلامية من أن تفرض رؤيتها ومشروعها الإسلامي الذي تراه.

 

والذي وإن كانت تتفق معه في بعض الجزئيات ومعظم الكليات لكنها تخشى من جزئيات تؤثر على حياتها كفرض بالحجاب أو منع التدخين، أو فرض الولي والمحرم على المرأة، أو تطبيق الحدود، فتتحرج من انتخابها، أو عن الدفاع عنها لاحقاً إذا انتخبتها، وليس لدى قيادة الجماعة آلية تطمئن بها جمهور الناخبين إلا مجرد وعود شفوية بأن ذلك لن يحصل، وهذا ليس إلا لأن الجماعة على مستوى القيادة لا تعرف إلا ممارسة الوصاية على الأفراد، والجماهير ليسوا تابعين لها تنظيمياً فلا تستطيع فرض رؤيتها عليهم، اللهم إلا بضمهم للجماعة ليلتحقوا بركب عامة الأفراد الذين يرفعون شعار: اسمع وأطع، أو نفذ دون أن تناقش، وهذا أمر فوق طاقتهم ووسعهم وتأباه النفوس عموماً، حتى وإن رضيته نفوس أفراد الجماعة التي روضت بشعارات إسلامية قائمة على وجوب السمع والطاعة ووحدة الصف ونبذ الخلاف، ولكن هذا الخطاب غير مجدٍ مع عامة جماهير الأمة . 

إن المجهود الحقيقي الذي كان ينبغي للنخبة في الجماعة أن تبذله هو في رفع مستوى الإدراك والوعي لدى أفراد الجماعة لديها لرفع نسبة احتمال اتخاذ القرار الصواب عند المشاورة، واعتماد رأي الأفراد الحر الذي اتخذوه بقناعتهم الحرة

أين يكمن جوهر المشكلة
تكمن المشكلة الحقيقية في عدم فهم جوهر أصل الشورى في الإسلام، فالشورى وإن كان الغرض منها ونتيجتها هو الوصول إلى الرأي الحق والصواب، أو أقرب الآراء إلى الحق والصواب، إلا أن هناك مهمة أعلى وأرقى وأسمى مقدمة على هذه المهمة وهي بناء جدار مانع يحصن الأمة والجماعة من الاستبداد، فالوصول إلى الحق وإن كان مطلوبا ولكن منع الاستبداد مطلوب أكبر ومقدم أعلى وأهم، فالغرض الأساس من أصل الشورى هو منع انفراد القلة باتخاذ القرار وفرضه على الكثرة دون رضاهم، وهذا جوهر الاستبداد، وإن العمل على إزاحة هذا الاستبداد مقدم على الوصول إلى الرأي الصواب.

 

أي أن المجهود الحقيقي الذي كان ينبغي للنخبة في الجماعة أن تبذله هو في رفع مستوى الإدراك والوعي لدى أفراد الجماعة لديها لرفع نسبة احتمال اتخاذ القرار الصواب عند المشاورة، واعتماد رأي الأفراد الحر الذي اتخذوه بقناعتهم الحرة، حتى وإن كانوا يرون الحق والصواب في خلافه، فالأخذ بقرار الشورى وإن كان باطلاً خير من قرار المستبد وإن كان حقاً، لأن النتيجة إن اخترنا الثاني هو صناعة مستبدين شرعيين باسم الدين يمارسون الوصاية على الأفراد بحجة أنهم على صواب، ويزرعون في صفوف الأتباع خصوصاً وجماهير الأمة عموماً وجوب الخضوع والخنوع والاستسلام لإرادة النخبة العليا، وهم بذلك لا يختلفون كثيراً عن طبيعة الأنظمة المستبدة التي يسعون إلى إصلاحها، اللهم إلا أنهم أصلح قلوباً وأقرب إلى الله تقوى وديانة، وهذا مما لا يعول عليه كثيراً في سياسة اليوم.