شعار قسم مدونات

لا تؤجّل حزنك!

blogs - لا تؤجل حزنك
استطعتُ في وقتٍ متأخّر أن أعرف أنني غير مضطرة للتظاهر أنني بخير حينما أكون غير ذلك، وغير مضطرة لأن أقول أني جيّدة في الوقت الذي لا أكون، لا لستُ جيدة، ولستُ بخير، وحزينة، وأريد حقّ حزني في الوقت، أو حصّة الحزنِ من وقتي.

لا يُمكن للحياةِ أن تسلّمنا مفاتيحها على وتيرةٍ واحدة، عليها أن تفرض علينا التناقضات والمتضادات كي ندرك معانيها المطروحة بوضوح، لأنّه بالضدّ يتضحُ متن المعنى، ولذلك كانت الارتفاعات في مقابلها الانخفاضات، المدّ والجزر، الطيران والوقوع، التحليق والسقوط، الانكسار، الرضوض.. كانت ولا بدّ منها أن تكون.

ليست هنا المشكلة، المشكلة في محاولاتي الغريبة للتنصل منها، لإقناع نفسي بأن شيئًا لم يحصل، وفي متابعتي دائمًا وتيرة الحياة بشكلٍ طبيعي في الوقت الذي لم يجب عليّ أن أفعل ذلك، وفي الوقت الذي كان يجب عليّ فيه أن أعبر عن حزني، وأن أعير اهتمامي لشيء كسر أو رضة أو حزن، وأن أكرّس الوقت للجبيرة التي عليها أن تأخذ وقتها الطبيعي كي يلحم الكسر، ويقوى العظم، لكني لم أكن أفعل ذلك!

لا فائدة من الأشياء المؤجّلة، لأنها تترك فسحةً لأشياء كثيرة أن تموت، ولأشياء كثيرة أن تأخذنا منا، ولأشياء أخرى أن تأخذنا من بعضنا، ثم ننتبه إلى هذا في وقتٍ  متأخّرً.

لا أدري هل انتبهتُ لنفسي في وقت يجدي فيه النفع أم أني جئت في وقتٍ متأخر كدتُ على بُعدِ قليلِ أن أفقد فيه نفسي واشتعالي وتوهجي، وفي هذه الحالة أبوح لكل صديق لا أتمنّى له خسارةً كخسارتي: لا تؤجّل حزنك، بكاءك، ارتماءك على الأريكة، والنهنهة، خذ وقتك لأجل هذا، أو حتى خذ إجازة من الدوام لكي تستعيد حياتك، حتى وإن كانت تسبب لك خسارة، بكل حال خسارةٌ أقل بكثير من تلك الخسارة التي تكلفك إياها الأيام وأنت تصرّ على إتمام روتينها الطبيعي، وتؤجل رغبتك في البكاء، وتدع وجهك دون غسيل، وقلبك دون بلسمة، لتنتبه فجأة أن التجاعيد عبأت تفاصيلك، وانتشرت النُدَب في جدار قلبك فأصبح منقبضًا مسودّا جمادًا لا يحسن الانبساط والإشراق وأداء دور الحياة.

لا! إذا حزنت أو تعبت يومًا؛ لا تترك نفسك لساعات النوم الطويلة والصداع، أو للثلاجة، وفناجين القهوة وأطباق الحلويات، لن يهدئ هذا من حزنك، ولن تغفر لنفسك هذا الإفساد الذي تحدثه في قلبك ودماغك أو حتى في رشاقتك التي عشت شهورًا تجتهد فيها لتفسدها الآن في ساعة مفقودة.

لن يخبّئ المكياج ملامحك الباهتة، ولن يعيد الكحل عينيك مشعتان كما كانتا، لا يمكنك أن تمنع سطر الأنين من التسلّل عبر صوتك المخنوق، أعطه حقّه في أن يطلق ما به فيمتصّه الفضاء، وأن ينطق حزنه فينجلي عن صدرك، الآن، لا تؤجّله، لا تؤجّل شيئًا.

هذه الكلمة التي كان يجب أن تُقال وأجّلتها، ستعيش عمرَك وأن تحاول قولها ولا تستطيع، لأنك لم تفعلها في وقتها، هذا الاعتذار المؤجّل لم يعد مؤجلًا بل لم يعُد موجودًا منذ أن تأجّل، لا فائدة من الأشياء المؤجّلة، لأنها تترك فسحةً لأشياء كثيرة أن تموت، وأشياء كثيرة أن تحدث، ولأشياء كثيرة أن تأخذنا منا، ولأشياء أخرى أن تأخذنا من بعضنا، ثم ننتبه إلى هذا في وقتٍ للأسف يكون حينها متأخّرًا جدًّا، ويكون كلّ شيءٍ قد انتهى دون رجعة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.