البصارطة وكرة الثلج التي تخيف العسكر

blogs البصارطة

مع كل مرة يتم فيها محاصرتها والتنكيل بأهلها يلاحقني أصدقائي بالسؤال عن أخبارها لأني من أبناء دمياط الغالية، ويتساءلون لماذا استهدافها بهذا الشكل وبهذا المستوى العالي من العنف؟! ومع أسئلة واستفسارات الأصدقاء عن البصارطة تعود بي الذكريات مع تلك القرية الأبية إلى قبل ثورة يناير بفترة طويلة، وتحديداً إلى منتصف التسعينات. 

على ضفاف بحيرة المنزلة تطل القرية الجميلة، المشهورة بجودة صناعة الأثاث الدمياطي العريق، والمعروفة بطيبة أهلها وقربهم من بعض، فيتشاركون في الأفراح والأطراح، ووسط تلك البيئة الطيبة انتشرت دعوة الإخوان المسلمين بقوة بين أبناء القرية، وكان لفضيلة الشيخ حمدي عبد الغني الواعظ بالأزهر الشريف رحمه الله تعالي والأستاذ علي بحيري دور رائد في إقبال أبناء القرية على دعوة الإخوان.

وأسهم شباب الجماعة وعلى رأسهم الشيخ حمدي عبد الغني رحمه الله في بناء أول معهد أزهري بالمنطقة وانتشار كتاتيب القرآن وتخريج أعداد كبيرة من حفظة كتاب الله، وشكلت جماعة الإخوان بالقرية قوة دعوية واجتماعية وسياسية لا يستهان بها، فضلا عن قوتهم التصويتية التي أربكت حسابات النظام مع كل حدث سياسي أو استحقاق انتخابي، فشهدت البصارطة معارك ضارية بين أهالي القرية وقوات الأمن التي تحاول منعهم من التصويت أو حتى الوصول للجان الاقتراع، كما حدث في انتخابات 1995 و انتخابات 2000 رغم وجود إشرف قضائي و 2005، وفي كل مرة يتم اعتقال عدد من أبنائها وخاصة رموز الإخوان بالقرية، وتشهد القرية أحداث تشبه انتفاضة فلسطين كما شبهتها بعض وسائل الاعلام حينها، حيث إحكام الحصار عليها والاعتقالات العشوائية واطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاطي وسقوط بعض المصابين خلال تلك الاشتباكات.
 

عقب الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية بمصر وعزل الجيش لأول رئيس منتخب، لم تقبل البصارطة بفكرة الاستسلام لدهس الدبابات صناديق الاقتراع وإرادة الشعب، فواصل أبناؤها انتفاضتهم وحراكهم بشكل مبدع منذ أكثر من ثلاثة أعوام

ومنذ ذلك الوقت والنظام الحاكم لا ينسى لتلك القرية الأبية صمودها وتحديها لبطشه، وما أن هبت على مصر نسائم ثورة الخامس والعشرين من يناير وتنفست عبق الحرية؛ حتى خرجت القرية بشبابها وفتياتها وأطفالها في مسيرات وتظاهرات حاشدة ومتواصلة نقلتها وسائل الاعلام وظلت على حراكها حتى تنحى مبارك.

وعقب الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية بمصر وعزل الجيش لأول رئيس منتخب، لم تقبل البصارطة بفكرة الاستسلام لدهس الدبابات صناديق الاقتراع وإرادة الشعب، فواصل أبناؤها انتفاضتهم وحراكهم بشكل مبدع منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وبعد مجزرة فض رابعة ابتكر شبابها فاعلية أسبوعية يومي الخميس والجمعة تشبه منصة رابعة إحياءً وتقديراً لشهدائها، الأمر الذي دفع العسكر للانتقام من البصارطة عبر سلسلة من الانتهاكات المتواصلة.

أكثر من 6 مرات يتم فيها حصار القرية لعدة أيام وشن حملات اعتقال ودهم وتكسير للمنازل وأحيانا حرق المنازل بما فيها؛ سعياً لكسر إرادة أهلها ومحاولة إبعاد الناس عن احتضان الإخوان، وذلك خلال أقل من أربع سنوات، خلفت ثمانية شهداء من خيرة شباب القرية، وألف معتقل من أبناء البصارطة وحدها بحسب تصريح مصدر أمني لصحيفة الوطن المصرية بتاريخ 17 أبريل، فيما تُتداول أخبار عن تعرضهم لتعذيب بشع في مقار الاحتجاز وبينهم رجال تعدوا الخمسين من أعمارهم.

أما آخر مشاهد انتقام العسكر من البصارطة فكان في يوم 27 مارس 2017، حيث قامت قوات الأمن من مختلف التشكيلات القتالية بفرض حصار مشدد من كافة مداخل القرية، وتواصل اقتحام منازل رافضي الانقلاب وحرق وتدمير محتوياتها، واعتقال وإخفاء قسري لعدد كبير من أبناء القرية بحجة المسؤولية عن مقتل "خفير" بالقرية لقي حتفه على يد ملثمين يعلم الجميع أنهم من تجار المخدرات، واستغل الأمن تلك الحادثة لتصفية حساباته مع شباب القرية الذين قضوا مضاجع العسكر بحراكهم وثورتهم التي ما هدأت يوماً. 

وشهدت تلك الحملة المسعورة قتل الشيخ محمد عادل بلبولة أحد خطباء الأزهر الشريف، بعدما اعتقلوا زوجته ضمن ما عرف إعلامياً بقضية فتيات دمياط، ثم أحرقوا منزله عدة مرات لدفعه للتخلي عن موقفه الرافض للانقلاب، خوفا من تأثيره الكبير في أوساط الشباب، حتى لفقوا له أكثر من عشرين قضية وحكم عليه بما يقارب 80 عاما، لكن جنود الفرعون كان لهم رأي أخر فقاموا بتصفية الشيخ المسالم بعد اعتقاله؛ ليرتقي شهيدا يشكوهم إلى الله وليبوءوا بالخسران والخزي في الدنيا والآخرة. 

وبعد أكثر من عشرين يوماً من الحصار وحتى الآن لم تفك قوات الأمن حصارها عن القرية المسالمة العزل أهلها من كل سلاح سوى الايمان والثقة بالله ثم بالحق الذي آمنوا به وارتضوه طريقاً للحياة في مواجهة قوم ألفوا العبودية والذل للغرب والقوي الدولية. 
 

حتى متى يتم التنكيل بالشعب إرضاءً لشخص مريض نفسياً؟!، وتدمير مكتسبات الوطن بشكل ممنهج، بينما لا أحد ممن استأمنهم الشعب على مؤسساته وممتلكاته يمتلك صوتاً وشجاعة ليقول للجنرال ارحل يا فرعون فقد مضى عهد الخوف

8 شهداء جلهم من الشباب و1000 معتقل فضلاً عن عشرات المطاردين هي فاتورة إباء وشموخ قرية أصيلة من عمق الريف المصري، يخشى النظام العسكري المتهرئ من تحولها وأخواتها الخياطة ودلجا وناهيا وكرداسة وغيرهم، إلى كرة ثلج كبيرة تجر باقي مدن ومحافظات الجمهورية للانتفاضة في وجه البطش والثورة على العسكري الفاشل الذي سرق حلم المصريين في حياة كريمة ووطن متقدم عزيز. 

ويتساءل كثير من المراقبين عن سر ظهور قوات الأمن بهذه الجاهزية والعنفوان مع أهالي البصارطة بينما لا يسمع لهم صوت ولا يرى لهم أثر في مواجهة إرهابي ولاية سيناء، حتى سيطروا على مساحات من سيناء وطردوا وهجروا بعضاً من أهلها!! وقوى الأمن وقوات مكافحة الشغب والتشكيلات القتالية عاملة ودن من طين وأخرى من عجين ثم تذهب لتستعرض عضلاتها على العزل المسالمين في البصارطة!! تاركة سيناء كلاْ مباحاً للإرهابيين!!

لكن السؤال الأهم الآن حتى متى يتم التنكيل بالشعب إرضاءً لشخص مريض نفسياً؟!، وتدمير مكتسبات الوطن بشكل ممنهج، بينما لا أحد ممن استأمنهم الشعب على مؤسساته وممتلكاته يمتلك صوتاً وشجاعة ليقول للجنرال ارحل يا فرعون فقد مضى عهد الخوف.. كما أطلقها الشاعر الأبي هاشم الرفاعي رحمه الله قائلاً:

جلاد مصر ويا كبير بغاتها .. مهلا فأيام الخلاص دواني
من أي غاب قد أتيت بشرعة ما .. إن يساس بها سوى الحيوان
وبأي قانون حكمت فلم تدع .. شيئا لطاغية مدى الأزمان
أم ذاك رأي الشعب وهو مكبل .. فحياته و الموت يستويان
لو كان عهدك قبل عهد محمد .. للعنت يا فرعون في القرآن