شعار قسم مدونات

البنوك الإسلامية.. الواقع والتحديات (2)

blogs- البنوك الإسلامية

تحدثنا في المقال السابق عن البنوك الإسلامية بين واقعها الذي يتحتم عليها تقديم حلول مصرفية تلائم احتياجات السوق، والتحديات التي تفرضها حداثة التجربة واختلاف منطق العمل عن البنوك التجارية في شقي الوظيفة الائتمانية. 

يتركز منطق البنوك التقليدية في الشق الائتماني كمحفظة تستقطب الفائض النقدي في السوق مقابل فائدة محددة مسبقا لتعيد إقراضها بفائدة أعلى تحقق ربحية المالكين، باختلاف جوهري عن البنوك الإسلامية التي تعمل كصيرفة تشاركيه توفر السيولة النقدية للمشروعات الاستثمارية الحقيقية فيرتبط المستثمر (المودع) والبنك في شراكة تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الربح يسمح به السوق، والحد من المخاطر في ظل تنافسية تسعى لإيجاد الفرص المناسبة وخلق الآليات والأدوات التي تلبي احتياجات جميع فئات المجتمع من الأفراد والشركات والمؤسسات مما يدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما لا يتنافى مع الضوابط الشرعية .

وضع الربا في النظام الاقتصادي لا يختلف كثيرا عن وضع الورم السرطاني في الجسم الحي.

تقودنا هذه المقدمة لموضوع المقال الثاني في هذه السلسلة حول ماهية القروض التجارية والأسباب الكامنة وراء تحريم الإسلام للربا ومخاطرها على الاقتصاد الكلي والجزئي.

تعرف الربا أنها الزيادة مشروطة مقدماً على رأس المال مقابل الأجل وقد اتفقت الأديان السماوية على التحذير منها وبيان أضرارها على النسيج الاجتماعي وصلاح النسق الاقتصادي ففي القران الكريم حرمت الآية الكريمة صراحة الربا (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) سورة البقرة(275)، وقد جاء في الكتاب المقدس (العهد القديم) "إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي، لا تضعوا عليه الربا" (سفر الخروج 22-25) وفي العهد الجديد "اقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيما" ( إنجيل لوقا الإصحاح السادس 34-35) كما وضعت القوانين الاقتصادية قيودا متعددة على الفائدة المركبة والسبب في ذلك كما يقول القانوني المعروف عبد الرزاق السنهوري ( رحمه الله) "كراهية تقليدية للربا ليس في البلاد الإسلامية وحدها بل في أكثر تشريعات العالم، فالربا مكروه في كل البلاد وفي جميع العصور".
(الوسيط، شرح القانون المدني 2/882)
 

وضحت الشريعة الإسلامية المفسدة الجوهرية للربا كونه يؤدي إلى فصل المديونية عن النشاط الاقتصادي ممثلا في التبادل والإنتاج. فالفوائد على القرض وعلى الديون المؤجلة تنمو تلقائيا مع مرور الوقت بغض النظر عن حصول عمليات حقيقية توظف التمويل في توليد الثروة ورفع الإنتاجية، فالدين في ظل الربا لا يحتاج لكي ينمو أكثر من مرور الزمن، ولذلك يصبح نموه تلقائيا. أما الثروة فإن نموها يتطلب الكثير من الجهد والتضحية والمعرفة والإبداع. ونتيجة لذلك فإن المديونية تنمو بمعدلات أسرع من معدلات نمو الثروة والدخل لتكون في النهاية تدمير الثروة وانهيار الاقتصاد.

ولنوضح مخاطر النمو التلقائي للمديونية من خلال الفائدة المركبة، لنفرض أن شخصا اقترض سنتا عام ميلاد المسيح (عليه السلام) بفائدة قدرها 0.041، في عام 1810م سيكون حجم الدين الذي يجب عليه سداده كمية من الذهب أكثر من كتلة الكرة الأرضية بأكملها في عام 1910م سيجب عليه سداد ما يعادل كتلة 66 كرة أرضية من الذهب، أما في عام 2010م فيجيب عليه سداد 3677 كرة أرضية من الذهب. كل هذا نتج عن اقتراض سنت واحد لا غير، إن هذا المثال بين كيف تتناقض الفائدة مع قوانين الطبيعة، فضلا عن القيم الأخلاقية والمبادئ السماوية.

(وفقا لأسعار الذهب في يناير 2013م حيث سعر الكيلو 54240دولار وتبلغ كتلة الكرة الأرضية 5.9720000000000000000000000000كغم.) (المثال مأخوذ بتصرف من Kennedy(1995). P7)

وعلى المستوى الحكومي مع تضخم الدين تتضخم خدمة الدين (Debit Services) التي تدفع من الدخل على حساب النشاط الإقتصادي، فالدول الفقيرة تنفق على خدمة الديون أكثر ما تنفق على الرعاية الصحية لمواطنيها. وفي بعض الدول النامية تتجاوز خدمة الدين 60 في المئة من قيمة الصادرات التي تمثل الدخل الأساسي للبلاد.
 

يتضح لدينا الحكمة الإلهية من تحريم الربا ومخاطره على اقتصاد الدول وتمزيق للنسيج الاجتماعي وارتفاع في تكاليف الإنتاج مسببا ارتفاعا مضطردا لأسعار السلع الأساسية وانهيارات متتالية في السوق العقار

نمو المديونية بمعدلات أعلى من نمو الدخل والثروة تؤدي إلى ما يعرف بالهرم المقلوب (Inverted Debit Pyramid)، حيث تتراكم مديونيات ضخمة على قاعدة ضئيلة من الثروة والدخل والأصول الحقيقية. هذا الوضع غير مستقر، لأن قاعدة الهرم تضاؤل باستمرار بالنسبة للقمة، لأن تضخم الدين يستلزم تضخم خدمة الدين وتكاليفه التي تدفع من الدخل ومن الثروة. هذا فضلا عن المخاطر العالية التي يصبح الاقتصاد معرضا لها بحيث لا يستطيع الصمود أمام أدنى الهزات أو التقلبات في الأسواق أو العوامل الخارجية.

وضع الربا في النظام الاقتصادي لا يختلف كثيرا عن وضع الورم السرطاني في الجسم الحي. فالخلايا الطبيعية تخضع في نموها وانقسامها وموتها إلى ضوابط تضمن أداء أعضاء الجسم لوظائفها بالشكل المطلوب. أما الخلية السرطانية فلا تخضع لشيء من هذه الضوابط، بل تنمو وتتكاثر بمعدلات أسرع من الخلايا السليمة.

ليترتب على ذلك أن يصبح استهلاك الخلايا السرطانية الذي يحمله الدم أعلى من استهلاك الخلايا الطبيعية، ومن ثم يضعف نمو الخلايا الطبيعية في حين يزداد نمو الخلايا السرطانية.  (مثل هايمان منسكيHyman Minsky (1986))

يتضح لدينا الحكمة الإلهية من تحريم الربا ومخاطره على اقتصاد الدول وتمزيق للنسيج الاجتماعي وارتفاع في تكاليف الإنتاج مسببا ارتفاعا مضطردا لأسعار السلع الأساسية وانهيارات متتالية في السوق العقار لعل الأزمة المالية العالمية الأخيرة أبرز دليل على ذلك مما يضع المزيد من التحديات في عالم الصيرفة الإسلامية لمزيد من الابتكارات والحلول التي تحقق الهدف الأسمى لاستخلاف الله للإنسان في الأرض من عمارتها وإشباع حاجات السوق وطرح عديد المنتجات المصرفية لتلائم متغيرات الاقتصاد العالمي. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: كاتب السطور اعتمد في مقالته على بشكل أساسي على كتاب (مدخل إلى أصول التمويل الإسلامي) للدكتور سامي بن إبراهيم السويلم باب الربا ص (67-82) وتقديمها في قالب مبسط يخدم القارئ الكريم في فهم المسألة المطروحة. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.