هل سيشهد جيلنا نهاية العولمة كما شهد بدايتها؟

"أنا مواطنة فرنسية أولا، ولست مواطنة في العالم"، هكذا قالت سيدة فرنسية على شاشة الجزيرة في تقرير حول اليمين وماري لوبان، رددت في نفسي: يا لجيلي الذي ولج العالم منتصف الثمانينات، الذي شهد تقلبات ما بعد الحرب الباردة، العالم ذا القطب الواحد ثم متعدد الأقطاب، حروب الطوائف، ربيع العرب وخريفهم. صعود الإسلاميون ثم ورطتهم.

رأى جيلي كذلك بداية العولمة، حين دبت توصيلات الإنترنت في الحواسيب كلها، وانبثت المعلومات من كل حدب وصوب، كان جيلي هو الجيل الذي دخل الإنترنت وتعلمه وعلمه لمن بعده، وشهد كذلك انتهاء السلك الرفيع الذي كان يحمل الدنيا لشاشاتنا الإلكترونية، ليشهد الدنيا محمولة على أكفنا عبر شاشات إلكترونية أصغر، وعبر موجات غير مرئية، اختفى السلك الرفيع، وبقيت الشاشات.

صرنا في مواجهة العالم، فبدأت البنى القديمة تتفكك لأن سيلان المعاني المتدفق كان أكبر من أن تستوعبه تلك البنى والمناهج المعرفية، مما تسبب في خلخلة كثير من المفاهيم والمعايير، والثقافات والأفكار.

اليوم، يبدو مع تقدم اليمين في بلاد الغرب، وتركيز كل بلد على مصالحه، أن ثمة انحسارا للعولمة، هل سيفضي لنهايتها؟ وإن كان، فهل سيشهدها جيلي؟ قديما قرأت وأنا في مطالع الأول الثانوي مقالا حول العولمة وموجاتها، على مجلة العربي العريقة، يقول ما مفاده أن ما نشاهده اليوم هو موجة من موجات العولمة، وليس أولها، وربط بين الإمبراطوريات وموجات العولمة المختلفة، وذكر أن أقدم الموجات كانت مع الإسكندر حينما حاول أن يفرض ثقافة واحدة على العالم القديم، وبتقديري، فقد نجح الإسكندر عسكريا، وأخفق ثقافيا وسياسيا، ف"الهيلينية" سادت في قطاع محدد من العالم القديم، ولكن لم تتمدد بما يكفي لتصوغ العالم بصبغتها.

والامبراطوريات القديمة احتذت خطوة الإسكندر، فحاولت فرض ثقافة بل وديانة محددة، وقاد هذا لاضطرابات شتى، كان أحد موجاتها القاسية نهاية القرن السادس ومطلع السابع الميلاديين، والتي انجلت غمتها بظهور الإسلام وسيادته في العالم القديم والبحر المتوسط عموما، في موجة عولمية، أشار إليها المقال الذي كنت قرأته قبل ست عشرة سنة من اليوم. والآن، ما الذي لدينا؟ لدينا موجة عولمة بدأت منتصف التسعينات كما ذكرت، ترافقت مع انتشار الإنترنت في العالم الغربي مطلع التسعينات، وصار شيئا شعبيا وصلنا نحن في العالم العربي مع منتصفها.

وصرنا في مواجهة العالم، فبدأت البنى القديمة تتفكك لأن سيلان المعاني المتدفق كان أكبر من أن تستوعبه تلك البنى والمناهج المعرفية، مما تسبب في خلخلة كثير من المفاهيم والمعايير، والثقافات والأفكار التي لم تتمكن من إيجاد وسائل ومناهج قادرة على إنتاج نماذج جديدة، واجهت معضلة حقيقية، ولهذا انهمكنا في سب العولمة والتخويف منها، لأنه لم تكن لدى نخبنا المثقفة والمتدينة حلولا ولا خطابا قادرا على الإقناع، فجرى خطاب التخويف لمنع الطوفان المقبل، فظهرت نزعة تكرست مع الأجيال اللاحقة -فجيلي هو آخر أجيال المحترمين- تتضمن قدرة الأفراد على تكوين منظومات قيمية مخالفة للسائد حتى على مستوى الأسرة الواحدة، وكان هذا أحد عناصر التخويف في ثقافتنا التي قدست الوحدة، ولو على حساب التنوع، بسبب أزمات إدارة الحوار المتأصلة.

إن تعاملنا مع الظواهر يفتقد للبعد الفلسفي القادر على سبر الأبعاد الكامنة تحت السطح، ولهذا، فما لم نتمكن من المضي قدما في اتجاه تحليل صحيح وواضح المعالم.

وتحت سياق صدام الحضارات، بدأت تتسيد العالم لغة متقاربة، ومصالح متشابكة، والكل يتحدث عن الشركات العابرة للقارات والتي بدت أكثر نعومة وسلاسة في توغلها وتغولها من نظيرتيها الهولندية والبريطانية في القرنين السابع والثامن عشر، فاليوم لا توجد أساطيل ترافق كل شركة وتاجر، لكن فجأة صحونا على حرب العولمة المزدوجة الثقافية – الاقتصادية، أو الحرب على الإرهاب التي تلاقى فيها المطالبة بتمرير وفرض قيم الحرية والديمقراطية ومحاربة التطرف بالمصالح الاقتصادية بالقرار السياسي، والتي أثبتت استراتيجيتها أنها تخفق في معالجة المعضلة لافتقادها الأدوات اللازمة لذلك، وتكرر الداء، فالنجاح العسكري لا يصاحبه نجاح ثقافي إلا بمقدار رضا المتلقين وقبولهم.

أخفقت حركات مقاومة العولمة، والتي تمخضت عن اليسار القديم، ومارست التظاهر، وأخفقت في إيجاد أفكار ومنظومات تقاوم منظومات المصالح التي أفرزت العولمة الاقتصادية، فلم تكن هناك إيديولوجيا واضحة ومنظمة، ولا شبكة مصالح ولا تجل في السياسات أو تأثير على صناع القرار، ظلت حركة صاخبة في الشارع، لا يصل صداها لأبعد من أبواب البورصات العالمية الزجاجية، فاختفت هذه الحركات من الوجود.

بعد العام 2003م غدت العولمة واقعا مفروضا لحد أنها بدت حقيقة مسلمة، لا يتحدث عنها أحد، ولا يتذكرها أحد، كأنها الشمس، فلا أحد يوضح لك وجودها، لكن الكل يتناقش حول نتائجها، فالجو حار أو غائم جزئيا، إنها أوضح من الحديث عنها.

لكن هل سنشهد انتهاء العولمة؟
بتقديري، أن العوامل التي سمحت بموجة العولمة الراهنة هي أكبر وأرسخ من تلك التي سمحت بالموجات القديمة والسابقة، وحجم المصالح هو أكثر تشابكا من نظيره السابق، وثورة الاتصالات هي إنجاز لا يمكن التنازل عنه، أو بمعنى أدق، لن يكون من مصلحة أحد التنازل عنه، ولهذا فإن أكبر سبب وركيزة تعتمد العولمة عليها وهو المعلومة والوسيط الرقمي، لن يجري التنازل عنهما.

بعد العام 2003م غدت العولمة واقعا مفروضا لحد أنها بدت حقيقة مسلمة، لا يتحدث عنها أحد، ولا يتذكرها أحد، كأنها الشمس، فلا أحد يوضح لك وجودها، لكن الكل يتناقش حول نتائجها.

سنشهد بلا شك انحسارا للعولمة الثقافية، بحيث أن الثقافات القوية ستنهض وتحاول الحفاظ على استقلالها، وسيجري تكريس أنماط ربما تبدو متشددة من القوميات، أو حتى الحركات الدينية، وستظهر الحركات الأكثر تطرفا، ستعبر عن ضعف ذاتي وعدم قدرة على الحوار مع الآخر. وسنشهد جميعا على أن المصالح الاقتصادية سيعاد ترتيبها للحفاظ على الأولويات الوطنية، وهذا قد يولد هزات عنيفة أكثر من المتوقع، وأعتقد أن هذا سيتفاعل أيضا مع مجموعة من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، قبل أن نصل لمرحلة توازن ستسود لفترة.. قبل الموجة العولمية المقبلة.

ماذا عنا نحن؟
في واقع الأمر، إن الرهان على أن الثقافة ستنقذنا لم يعد كافيا، فلا زالت ثقافتنا تصارع ظواهر نسيها من انحسرت عندهم موجة العولمة أو تكاد، فلا زلنا نشتبك في قضايا تجاوزها العالم منذ مئات السنين، وساروا باتجاه متقدم كثيرا عنا. إن تعاملنا مع الظواهر يفتقد للبعد الفلسفي القادر على سبر الأبعاد الكامنة تحت السطح، ولهذا، فما لم نتمكن من المضي قدما في اتجاه تحليل صحيح وواضح المعالم، تتحدد في ضوئه الخيارات العملية بصورة أكثر وضوحا، فإن المأزق سيبقى قائما لا شك.

إن موجة العولمة سواء انحسرت أم لم تنحسر، أو كان انحسارها جزئيا، فإن الخيار المتاح أمامنا هو التعجيل باتخاذ قرار واضح تصنعه النخب في المواجهة والمصارحة والتعجيل بإطلاق مبادرات ثقافية تقود المجتمعات باتجاه آفاق جديدة، يتصالح فيها الفردي مع الجماعي، تجنبا لمزيد من الخلخلة والتمزق والاضطراب، وهو اضطراب ستكون أبرز أسبابه مرهونة بذلك التحدي القيمي، المؤسس على معضلة قدرة كل فرد على تكوين منظومته المخالفة للسائد في وقت لم تتهيأ مؤسساتنا المجتمعية لاستيعاب خيارات الأفراد وتوجيهها لصالح العموم، أو إيجاد توافقية بين الطرفين، سيكون أحد أطواق النجاة لسفينة المجتمع.



حول هذه القصة

قصفت طائرات روسية مواقع بريف حماة بالفوسفور الحارق والقنابل العنقودية، كما شنت قوات النظام والمليشيات المتحالفة معها هجوما عنيفا من محاور عدة غرب حلب، في حين تقدم مسلحو المعارضة بدرعا.

20/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة