عربية.. كي لا يُقال العكس

blogs - masked woman

حين خطت قدماكِ الصغيرتان على الأرض المخملية و"السجاد العجمي" والأرض العارية والرصيف المشوّه، لم يخبركِ والداكِ بأنّها قد تكون المرة الأخيرة. حين تكبرين سيكون عليكِ أن ترتفعي عن الأرض "بالكعب المسنّن" الأنيق. حين تكبرين سيبدو العالم أضيق، والجدران أقرب.. السماء أبعد والأرض هامشية. حين تكبرين، سيكون عليكِ أن تختاري بين عالم الموضة، وإغراء المجوهرات ومساحيق التجميل، وعملكِ في مؤسسات ضخمة تنتج أرقاماً وعبيداً وسترات وربطات عنق.

 

طبعاً سيكون عليكِ أن تنتقي ربطة العنق قبل العنق، والسترة قبل الأكتاف العريضة.. هي مغرية تلك الأكتاف العريضة، وصاحب البشرة السمراء والعيون الثاقبة والمعاني الفارغة.. ستعملين جاهدة كي توجِدي المعاني.

 

سيحاربكِ العالم فقط لأنكِ لبستِ "الكعب المسنّن" والحذاء الرياضي.. سيحاربكِ العالم حتى إن كنتِ حافية القدمين. ستلتهم الصحراء أقدامكِ، سيطارد الهواء خصل شعركِ.. ثمّ سيتغنى بسقوطكِ الشعراء.. قد يوقع بك شاعر النساء، ويغريكِ فراغ المعاني.. هذا ما أنتِ عليه.. توجدين المعاني.. ستحاربكِ السماء حين ترقصين تحت المطر، ويحاربكِ الماء فوق "القماش الناعم" ثم قطرات الدم والعرق.. والسيف والقلم..

 

فلسطين.. كوني امرأة عربية، وقولي لهم بأنكِ عربية. إن كان صمتهم أمام فجوركِ خوفاً.. أعطيهم سبباً آخراً للخوف. تحرّري أكثر.. عودي حافية القدميْن كما كنتِ.. واضحكي كالأطفال.

سيحاربكِ الكون برمّته، حتّى تفرغ جعبتكِ من المعاني، ويتحكّم بكِ الألم.. وستركعين باكية أمام آلهة يلتهمون طعام الفقراء، وتسجدين تحت أقدامهم.. تلمّعين الحذاء الأسود كي يزداد سواداً، بالدموع.. بالدم.. بقطرات العرق.. لكن ستحبسين أنفاسكِ وتُبقين كرامتكِ عالقة بين صدركِ والحنجرة.. حتّى الاختناق.

 

شرسة! محاربة! جبَّارة! قوية! مقاوِمة! مناضلة! عربية.. عربية.. عربية.. كي لا يُقال العكس.

 

ستحملين حقائب مفخخة، ووروداً تتفاخر بأشواكها.. وترتدين لباساً فاضحاً، و"كوفية" لا تتلاءم مع لباسكِ، وعباءة طويلة، وحجاباً أبيضاً، وخماراً أسوداً، وكلاماً أنيقاً. سترتدين كل ما يليق بكِ وما لا يليق بكِ، وتحاربين الوجود بكلامكِ الفارغ والأنيق، بسيفكِ، بقلمكِ، بضحكتكِ، ببكائكِ، بعنفوانكِ، وشجاعتكِ.. حتى حين ترتعدين خوفاً.. ستحاربين..

 

سيشكّكون بنواياكِ وطهارتكِ.. سيشوّهون سمعتكِ، وعيناكِ.. لأنّ عيناكِ هي أجمل ما فيكِ. سيطاردون تفاصيلكِ حتى تصبح هامشية.. سيطاردون فتات عظامكِ في القبر.. ويطالبون بتأجيل يوم البعث.. سيفعلون المستحيل لأنكِ مستحيلة أيضاً.. يا سهلة ممتنعة! يا متمنّعة عن الخيانة.. حتى وإن خنتِ فخيانتكِ مشروعة.. لأنكِ امرأة عربية.. متعصبة.. متمردة.. "راديكالية".. قومية..

 

فلسطين.. خوني كل هؤلاء الرجال.. واستمتعي بالسهرات الراقصة.. الغانيات لم يبعنَ أجسادهنّ.. بل رجال أمّة حقيرة اشتروْا أجسادهنّ. الغانيات رقصنَ "بالكعوب المسنّنة"، وضحكنّ حتى بات الضحك عادة يومية.. أما رجال أمة حقيرة اكتفوْا بالمشاهدة.. لأنّ المشاهدة أقلّ كلفة.

 

فلسطين.. كوني امرأة عربية، وقولي لهم بأنكِ عربية. إن كان صمتهم أمام فجوركِ خوفاً.. أعطيهم سبباً آخراً للخوف. تحرّري أكثر.. عودي حافية القدميْن كما كنتِ.. واضحكي كالأطفال. إن كانت ضحكاتكِ مزعجة سيكون عليهم أن يكتفوا بالمشاهدة.. هذا ما هم عليه.. جثث هامدة، سيُعاد قتلها بالانتظار والملل..

 

هم أعداؤكِ.. والأعداء بعضهم لا يجيد اللغة العبريّة.. مشاهدون من الطراز الحقير!



حول هذه القصة

الشهيد أحمد غزال من الفيسبوك

استشهد فتى فلسطيني بنيران الاحتلال في باب العمود بالقدس القديمة بعد طعنه جنديا ومستوطنين اثنين، وأفاد شهود عيان بأن الشهيد هو أحمد غزال من نابلس ويبلغ من العمر 17 عاما.

Published On 1/4/2017
لقاء اليوم- البروفيسور ريتشارد فولك

استضاف برنامج “لقاء اليوم” البروفيسور ريتشارد فولك المقرر الأممي السابق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ67، حيث تحدث عن تقرير لجنة الإسكوا الخاص بسياسة الفصل العنصري لإسرائيل ضد الفلسطينيين.

Published On 30/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة