اليسار الفلسطيني بين النص والممارسة

blogs اليسار الفلسطينى

يعرف اليسار نفسه عبر مراحله التاريخية ومنذ نشأته أنه تيار الحداثة والتغيير والتقدم والحريات والأسس الديمقراطية باختلاف أسماء الأحزاب الناظمة لهذا الفكر اليساري على مستوى العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه. لكن لليسار العربي عموما واليسار الفلسطيني خصوصا تركيبة فريدة من نوعها ربما متفردة في قالب لا مثيل له، بين يسار العالم أجمع استطاع هذا اليسار أن يضع معجما طبقيا لتوضيح تصرفاته التي تجاوزت حد الانتهازية والتفرد والشمولية.
 

فبعد أن كان يرفع شمسيته الحمراء حين ينهمر المطر فوق ساحات موسكو بفعل التقمص العجيب للنص الستاليني بحرفيته الدقيقة وكأن ستالين هو أبو اليسار وأمه وعشيرته أنزل شمسيته متخبطا وحائرا من المجهول بعد أن سقطت ما تسمى منظومة الاشتراكية السوفياتية، راح يفتش بين قواميس ماركس ورسائل أنجلز ومذكرات غوغول عن عذر واحد يبيح له الاتجاه يمينا أو ربما نحو اللبرلة السياسية لليسار، فبدأ بتغيير نظامه الداخلي بما يتلاءم وطبيعة المرحلة المقبلة فأصبح يسترشد بالاشتراكية العلمية بعد أن كان يتبناها مهيئا نفسه لتولي مهاما وزارية بعد إعلان الاستقلال والاستعداد لاستقبال المولود المعاق الذي نتج عن اتفاقية أوسلو وسمي سلطة الحكم الذاتي، وراح يدون في مجلداته عن ما يسمى النهوض الكبير لليسار مقتبسا كل أدلته وسطوره من تجارب عالمية ليبرالية ربطت اقتصاداتها بالاقتصاد العالمي لتصبح بشكل غير مباشر سوقا أو مكنة للدول الرأسمالية الكبيرة.

 

فراح يحاكي سلوك فتح والأحزاب الحاكمة في الدول العربية من خلال أدبياته ومنابره الإعلامية، والبذخ المفرط في احتفالاته واقترابه أكثر فأكثر من الطبقة الغنية ومعشر الوزراء والمسؤولين الأمر الذي أدى رويدا رويدا إلى ابتعاده عن الجماهير التي أنجبته من فلاحين وعمال وصغار كسبة ومثقفين وكأننا أمام وجه جديد كشر عن أنيابه النيوليبرالية المتوحشة التي طالما كتب هو نفسه عنها وحذر جمهوره من مخاطرها العالمية، فراح يخرج عن يساريته رغم أنه لازال يحمل الأحمر شعارا ولكن الأحمر ليس فقط شعارا للثورة والحب هو أيضا شعار بائعات الهوى والملاهي الليلية المنتشرة في الدول الليبرالية. إلى أبعد من ذلك وقف هذا اليسار السلطوي بموقف التناقض والنفاق فتراه حيا محمد البوعزيزي وزار ضريحه قارئا على قبره أسمى أيات اليسار والثورة.

 

عاد اليسار بقوقعته إلى حضن القومجيين الذي كان قد حاربهم وانشق عنهم بزعم الرؤية الديمقراطية والمجال الأوسع للحريات فوقف شاهدا ناقصا ومشاركا على بعد أمتار من ذبح فلسطيني سورية بمقصلة المقاومة وسيف الممانعة

ثم دار على يمينه نحو ميدان التحرير مؤديا تحية كبيرة لثورة مصر معتبرها نموذجا ناجحا في عالم التغيير ليحيي بنفس اليد وبنفس الطريقة بعد أشهر نجاح الرئيس السيسي مهنئا إياه بوصوله إلى سدة الحكم وكأن السيسي جاء بصناديق الاقتراع وليس بالحذاء العسكري، وبالتالي كيف استطاع هذا اليسار الغبي إن يقنع نفسه بتناقضات السلوك والممارسة حتى وصلت الثورة العربية ورياح التغيير الديمقراطي إلى ساحات سورية فكان هذا بمثابة الصاعقة التي كشفت عورة اليسار الفلسطيني والشعرة التي قسمت ظهر الجمل فأعلن بكل وقاحة بقاءه على الحياد وأي حياد فراح يستعمل الرمزية في خطاباته وبياناته السياسية مدعيا وقوفه إلى جانب مصير الشعب السوري وحريته في تقرير مصيره، لكنه على أرض الواقع غدا الحليف الوحيد الأوحد للنظام المجرم في سورية متناسيا ما فعله هذا النظام في الثورة الفلسطينية من خلال شقها وتفتيتها ومن خلال حربه الضروس ضد الوجود الفلسطيني بكل أشكاله في لبنان إلى أن اشترك الفلسطينيون بسورية بأغلبيتهم الساحقة من كافة المخيمات بالتظاهرات ضد نظام الأسد جنبا إلى جنب مع إخوتهم السوريين تحت شعار أن الحرية لا تتجزأ وأن الطريق إلى تحرير فلسطين يبدأ بإسقاط الأنظمة التي هي الإبنة الشرعية لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

وعاد اليسار بقوقعته إلى حضن القومجيين الذي كان قد حاربهم وانشق عنهم بزعم الرؤية الديمقراطية والمجال الأوسع للحريات، فوقف شاهدا ناقصا ومشاركا على بعد أمتار من ذبح فلسطيني سورية بمقصلة المقاومة وسيف الممانعة وهو يردد بغباء المتلقي عن ظلامية المشهد السوري وعدم وضوح الرؤية، فبدل أن يناصر قوى التغيير المطالبة بمساحة أكبر من الحريات والديمقراطيات وكرامة الإنسان راح يستقي مبادئه وقيمه من نعل الحذاء العسكري لجيش الأسد مؤيدا بكل ما أوتي من انتهازية موقف دولة روسيا الشقيقة وحربها الإجرامية ضد الشعب السوري، وهو لأول مرة منذ انطلاقته المجيدة يلتقي مع إيران موقفا وقلبا وقالبا ولكأن ماركس قد استقى مبادئ اليسار والشيوعية من الحوزات والحسينيات فيعتقد المرء أن ماركس لم يعد يطالب بحقوق الفقراء والثأر لهم، بل أصبح يطالب بثارات الحسين معتقدا أن الشيوعية هي الجذر اللغوي الأقرب لكلمة الشيعة وأصبح يجيد اللطم والنواح انطلاقا من المواقف المبدئية والثابتة والمشتركة التي تجمع حكومة ملالي إيران الراديكالية ذات الصبغة الدينية الاحادية الجانب مع مواقف اليسار الفلسطيني أي أضحوكة هذه؟

لم يقتصر اليسار الفلسطيني في لبرلة مواقفه على هذا وحسب ولكن الموقف الأكثر انهزامية في النص اليساري الفلسطيني بدا واضحا أنه لا يختلف عن حكومة أوسلو، فبعد انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي يصر على تسميتها الهبة الجماهيرية نزولا عند رغبة فتح وسلطة أوسلو.

التزم اليسار الفلسطيني الحياد إزاء ما تشهده الأراضي الفلسطينية من حالة غضب جماهيري وطوفان ضد الاستيطان وسياسة التنسيق الأمني الذي كبل أيدي القضية الفلسطينية بقيد جديد، وراح يصيغ نشاطاته وخطاباته بطريقة متناغمة مع وزارات أوسلو وكأنه حزب حاكم فانطلقت الأصوات الشابة من داخل اليسار وخارجه مطالبة بالثورة على النهج القديم البائد الذي لازال يترأس اليسار ويدفعه نحو السقوط في حاوية الأحزاب الحاكمة العسكرية او الليبرالية المتوحشة، فقد بلغ السيل الزبى وطاف اليسار بمخلفات العفونة القادمة من الهياكل الهرمة المسندة على رأس الهرم بدفتي إسناد داخلية متمثلة بالمافيات التنظيمية وشبكات المحسوبيات والفساد وخارجية متمثلة بأجندات إقليمية ودولية كتلك التي تربط أنظمة الطغيان العربي، وترى قيادته تحدث الجماهير العريضة عن دمقرطة المجتمعات والتغيير وهي قد تجاوزت الثمانين من عمرها…وتنتظر تأبين إمبراطوري أو تحنيط لجثمانها الميت سريريا.



حول هذه القصة

مازن فقها.. مقاوما فأسيرا فمبعدا فشهيدا

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عزمها على اتخاذ إجراءات مشددة بحق من “يتخابر” مع إسرائيل، وذلك بعد أن اغتال مجهولون القيادي بكتائب عز الدين القسام مازن فقها.

Published On 2/4/2017
epa02889079 Israeli soldiers guard Palestinian children whom they arrested on the first day of Eid al-Fitr in the West Bank city of Hebron, on 30 August 2011. Children traditionally receive money, clothes and toys _ boys often get toy weapons _ during the three-day holiday which marks the end of the Muslim fasting month of Ramadan. Reportedly the boys were arrested by patrolling Israeli soldiers and taken away in a jeep after having played with their toy guns in the Old City district of Hebron. EPA/ABED AL HASHLAMOUN

قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن 60% من الفتيان الفلسطينيين الذين يعتقلهم الجيش الإسرائيلي بالمناطق الفلسطينية يتعرضون للعنف، وإن 10% فقط سمحت لهم إسرائيل بالتشاور مع محاميهم.

Published On 2/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة